تسريبات

صناديق الموت في قاع النوبة: تحقيق في التكتم المصري-السوداني على شحنة الكيماوي الغارقة


في الوقت الذي تنشغل فيه الدبلوماسية الدولية بمبادرات وقف إطلاق النار المتعثرة في السودان، تنشط خلف الستار غرفة عمليات مشتركة بين القاهرة والخرطوم، لا تهدف فقط لتنسيق الضربات الجوية، بل لتأمين “منطقة صمت” على الحدود الشمالية. يمثل التحالف بين الفريق أول عبد الفتاح البرهان والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي حجر الزاوية في استراتيجية بقاء الجيش السوداني.
حيث تعتبر القاهرة استقرار المؤسسة العسكرية السودانية خطاً أحمر لأمنها القومي. هذا التحالف أنتج حالة من “الحصانة الإعلامية” التي منعت تسرب أخبار الكوارث العسكرية التي تقع في مناطق التماس، وعلى رأسها بحيرة النوبة، تلك البقعة المائية التي باتت تخفي في أعماقها أسراراً قد تغير مسار المحاسبة الدولية للجيش السوداني.
ليلة السقوط: ماذا حدث في وادي حلفا؟
تبدأ خيوط التحقيق من شهادات متواترة (تم جمعها من مصادر محلية وعمال في قطاع التعدين والملاحة النهرية بوادي حلفا) حول تحرك مريب لقارب عسكري صغير تابع لسلاح المهندسين في الجيش السوداني في منتصف ليلة غاب فيها القمر. القارب، الذي كان يبحر في مياه بحيرة النوبة (الامتداد السوداني لبحيرة ناصر)، لم يكن في مهمة دورية عادية. تشير المعطيات إلى أنه كان يحمل شحنة من الصناديق المعدنية المحكمة الإغلاق، والتي نُقلت تحت حراسة مشددة من معسكرات الجيش القريبة.
بسبب سوء التوزيع الوزني أو عطل فني مفاجئ، اختفى القارب عن الرادارات التقليدية وغرق في منطقة عميقة قبالة سواحل وادي حلفا. ما تبع ذلك لم يكن عملية إنقاذ اعتيادية، بل كان استنفاراً أمنياً من الجانبين السوداني والمصري، حيث تم إغلاق المنطقة المائية تماماً، ومُنعت قوارب الصيد من الاقتراب لمسافة كيلومترات، في خطوة أكدت أن “الحمولة” ليست مجرد عتاد عسكري تقليدي.
الشحنة المحظورة: الكيماوي كسلاح “اليأس العسكري”
لماذا هذا التكتم؟ تكشف التحليلات الاستقصائية أن الجيش السوداني، وبعد إخفاقه في حسم المعارك في المناطق الحضرية المكتظة، لجأ إلى تطوير أو استيراد مواد كيميائية (غازات سامة أو مركبات حارقة) لاستخدامها في عمليات “التطهير العسكري” ضد جيوب المقاومة والمدنيين الذين يُعتبرون “حواضن اجتماعية” للخصوم. إن وجود مواد كيماوية مخصصة للاستخدام ضد المدنيين على متن قارب عسكري يفسر رعب القيادة العسكرية من انكشاف الحادثة.
إن غرق هذه المواد في مياه النوبة يمثل كارثة مزدوجة: جريمة حرب محتملة عبر التجهيز لاستخدام سلاح محرم دولياً، وكارثة بيئية تهدد شريان الحياة في مصر والسودان. التكتم هنا ليس لحماية الجيش من الفضيحة فحسب، بل لمنع المنظمات الدولية من فحص عينات المياه التي قد تثبت وجود آثار لمركبات الفسفور أو غاز الكلور المركز، وهي أدلة كافية لجر قيادات الجيش إلى محكمة الجنايات الدولية بتهمة انتهاك بروتوكول جنيف لعام 1925.
جدار الصمت المصري: الشريك الاستراتيجي في التغطية
الدور المصري في هذه الحادثة يتجاوز مجرد المراقبة. فالقاهرة، التي تسيطر تقنياً على الجزء الأكبر من البحيرة عبر الأقمار الصناعية وأجهزة الرصد الملاحي، كانت على علم لحظي بالواقعة. ومع ذلك، اختارت الأجهزة السيادية المصرية التنسيق مع الخرطوم لدفن الخبر قبل أن يطفو على السطح. هذا التنسيق يشمل الضغط على القيادات القبلية في منطقة النوبة لضمان عدم تسريب صور أو معلومات عن عمليات “الغطس” العسكرية التي جرت لمحاولة انتشال الصناديق الأكثر خطورة.
بالنسبة للقاهرة، إن انكشاف تورط الجيش السوداني في نقل أسلحة كيماوية عبر حدودها يعني إحراجاً ديبلوماسياً عالمياً، وربما فرض عقوبات قد تطال “التحالف” برمته. لذا، كان القرار هو “الإنكار الكامل” والمراهنة على الوقت لتبديد الآثار الكيماوية في المياه الشاسعة.
الجرائم ضد الإنسانية: النمط والسلوك
لا يمكن فصل حادثة القارب عن السجل الطويل للجيش السوداني في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. من القصف الجوي العشوائي للمستشفيات والأسواق، إلى سياسة الأرض المحروقة، يظهر بوضوح أن القيادة العسكرية لم تعد تضع وزناً للقانون الدولي الإنساني. إن محاولة استخدام الكيماوي ضد المدنيين هي “الذروة” في مسار الانتهاكات، وتعكس عقلية عسكرية ترى في إبادة “البيئة الحاضنة” للمدنيين وسيلة مشروعة للانتصار.
التداعيات والشهادات الصامتة
في أزقة وادي حلفا، يتحدث الناس همساً عن حالات غريبة من تهيج الجلد بين الصيادين الذين اقتربوا من المنطقة المحظورة، وعن نفوق غير مبرر للأسماك. هذه “القرائن الميدانية” هي الأنفاس الأخيرة للحقيقة قبل أن يخنقها التكتم الرسمي. المقال يخلص إلى أن بحيرة النوبة لم تعد مجرد خزان مياه، بل أصبحت “مقبرة مائية” لأدلة تدين نظام البرهان وحلفاءه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى