تقرير يكشف تفاصيل العلاقة السرية بين الحركة الإسلامية وإيران
يبدو أن الجدل المتجدد حول علاقة الحركة الإسلامية السودانية بإيران لم يعد مجرد نقاش تاريخي حول مسار سياسي مضى، بل تحوّل إلى سؤال حاضر يتقاطع مع الحرب الجارية، ومع طبيعة النفوذ الذي ما زالت تحتفظ به شبكات الإسلاميين داخل مؤسسات الدولة. وما يجعل هذا الملف أكثر حساسية اليوم هو أن ملامح تلك العلاقة، التي تراوحت لعقود بين السرية والعلنية، عادت إلى الواجهة مع استئناف الاتصالات الرسمية بين الخرطوم وطهران، ومع ما كشفته قمة دول عدم الانحياز في أوغندا مطلع عام 2024 من تفاهمات تتجاوز الدبلوماسية التقليدية إلى ترتيبات أمنية وعسكرية على ساحل البحر الأحمر.
فقد شكّل اللقاء الذي جمع مسؤولين سودانيين وإيرانيين على هامش القمة نقطة تحول لافتة، ليس فقط لأنه أعاد العلاقات بعد سنوات من القطيعة، بل لأنه فتح الباب أمام نقاشات تتعلق بدور إيران في الحرب السودانية، وبإمكانية حصولها على تسهيلات عسكرية في البحر الأحمر مقابل دعم تقدمه لسلطة بورتسودان. هذه التطورات أعادت إلى السطح تاريخًا معقدًا من التداخل بين الإسلاميين السودانيين والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهو تاريخ لطالما أثار مخاوف إقليمية، خصوصًا في الخليج، الذي يرى في النفوذ الإيراني تهديدًا مباشرًا لأمنه.
وتزامن هذا التقارب مع اندلاع مواجهة مفتوحة بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، وهي مواجهة امتدت آثارها إلى دول الخليج. وفي خضم هذا التصعيد، تداول ناشطون تصريحات لقيادات إسلامية سودانية تدعو صراحة إلى “الجهاد” إلى جانب إيران، في موقف بدا منفصلًا عن حسابات الدول الخليجية التي دعمت الجيش السوداني سياسيًا وماليًا خلال الحرب.
وتعود جذور العلاقة وفق جريدة ديسمبر بين الإسلاميين السودانيين وإيران إلى ما قبل وصولهم إلى السلطة عام 1989، حين كانت الخرطوم تتعامل مع طهران ضمن حدود الموقف العربي العام. لكن التحول الحقيقي بدأ مع الثورة الإيرانية عام 1979، إذ كان الإسلاميون السودانيون من أوائل المؤيدين لها، ونظموا مظاهرات حاشدة في الخرطوم دعمت صعود الخميني، في مشهد وصفه المفكر الإسلامي المحبوب عبد السلام بأنه “أول مظاهرة جماهيرية مؤيدة للثورة الإيرانية في العالم الإسلامي”.
ومع وصول الإسلاميين إلى الحكم، تعمقت العلاقة، لكنّها لم تخلُ من خيبات. ففي 1990، سافر وزير المالية عبد الرحيم حمدي إلى طهران طلبًا للدعم الاقتصادي، لكنه فوجئ برفض الإيرانيين تقديم مساعدات، بحجة وجود ديون سابقة على السودان. وبدلًا من الدعم المالي، عرضت طهران إرسال كتب دينية وأدوات رياضية ودعمًا للمراكز الثقافية، وهو ما اعتبره حمدي “محاولة لنشر المذهب الشيعي بثمن بخس”، وأثار غضب حسن الترابي الذي شعر بأن الحركة الإسلامية السودانية لم تُعامل بندّية.
لكن التحولات الإقليمية والعزلة الدولية التي واجهها البلدان دفعت إيران لاحقًا إلى اعتبار السودان بوابتها إلى أفريقيا. وفي منتصف التسعينيات، بدأ التعاون الأمني السري بين الطرفين، حيث ساعد خبراء إيرانيون في تأسيس “الأمن الشعبي”، وهو جهاز موازٍ للأمن الرسمي، شبيه بجهاز “السافاك” الإيراني، هدفه حماية النظام. كما توسع التعاون العسكري ليشمل التصنيع الحربي، وصولًا إلى حادثة مصنع اليرموك الذي قصفته إسرائيل عام 2012، بعد تقارير تحدثت عن تصنيع صواريخ إيرانية على الأراضي السودانية.
وتعمقت العلاقة أكثر مع حادثة اغتيال محمود المبحوح في دبي عام 2010، حين كشفت وثائق كانت بحوزته عن اتفاق يسمح لإيران ببناء مصنع أسلحة في السودان. وقد دعمت صحيفة “معاريف” الإسرائيلية هذه الرواية، مشيرة إلى وجود تقنيين إيرانيين في الخرطوم يشرفون على تصنيع صواريخ “شهاب”.
وفي الحرب الحالية، ظهرت دلائل جديدة وفق جريدة ديسمبر على استمرار هذا التعاون، أبرزها استخدام الجيش السوداني لطائرة “مهاجر-6” الإيرانية، وفق مصادر مطلعة. ورغم محاولات الجيش إنكار سيطرة الإسلاميين على مفاصله، فإن الحرب كشفت عمق العلاقة بين الطرفين، خصوصًا بعد إعلان قيادات إسلامية دعمها الصريح لإيران ضد دول الخليج، بما في ذلك السعودية وقطر، اللتين كانتا من أبرز داعمي الجيش.
إن هذا التاريخ الطويل من التداخل بين الحركة الإسلامية السودانية وإيران يكشف عن شبكة مصالح سياسية وأمنية ممتدة، تتجاوز الشعارات الأيديولوجية إلى حسابات النفوذ والبقاء. ومع انكشاف هذه الروابط في سياق الحرب الحالية، يبدو أن مرحلة الإنكار قد انتهت، وأن العلاقة التي كانت تُدار في الظل باتت اليوم جزءًا من معادلة الصراع في السودان، بما تحمله من تداعيات إقليمية ودولية لا يمكن تجاهلها.




