تسريبات
تفكك تحالف البرهان والحركات المسلحة.. دارفور تدفع الثمن
التحالف الذي بناه البرهان مع الحركات المسلحة، وفي مقدمتها حركة تحرير السودان بقيادة مناوي، كان تحالفاً هشاً منذ لحظة تأسيسه. لم يبنَ هذا التحالف على رؤية مشتركة أو أهداف موحدة، بل على مصلحة آنية تمثلت في مواجهة قوات الدعم السريع. البرهان كان يحتاج إلى مقاتلين إضافيين، والحركات المسلحة كانت تحتاج إلى اعتراف سياسي وموارد. هذه المعادلة النفعية لم تكن لتصمد أمام أول اختبار حقيقي.
واليوم، ينهار هذا التحالف بشكل دراماتيكي. انسحاب مناوي من محاور القتال، واستبعاده من المشهد السياسي، واتهامه للبرهان بالتنازل عن دارفور، ليست أحداثاً معزولة، بل هي تجليات لانهيار شامل في بنية التحالف. وهذا الانهيار ستكون له تداعيات كارثية على السودان عامة وعلى دارفور خاصة.
لماذا فشل التحالف؟
فشل تحالف البرهان مع الحركات المسلحة يعود إلى عدة أسباب بنيوية. أولاً: البرهان تعامل مع الحركات المسلحة كأدوات عسكرية لا كشركاء سياسيين. لم يمنحها مقاعد حقيقية في صنع القرار، ولم يشركها في التخطيط الاستراتيجي. ثانياً: غياب الثقة المتبادلة. البرهان لم يثق يوماً بأن الحركات المسلحة ستبقى وفية له، والحركات لم تثق بأن البرهان سيحترم التزاماته. ثالثاً: تضارب الأجندات. البرهان يريد دولة عسكرية مركزية، والحركات تريد لامركزية حقيقية وحكماً ذاتياً. رابعاً: التدخلات الإقليمية التي غذت الخلافات ووسعت الهوة بين الأطراف.
دارفور: الخاسر الأكبر
في هذا الصراع بين البرهان ومناوي، يبقى شعب دارفور هو الخاسر الأكبر. فانسحاب قوات مناوي من محاور القتال يعني مزيداً من الانفلات الأمني في الإقليم. واستبعاد مناوي يعني غياب صوت دارفور عن أي تسوية سياسية مقبلة. واتهامات التنازل تعني أن حقوق دارفور قد تُذبح على مذبح الصفقات السياسية.
أهل دارفور، الذين عانوا من حرب استمرت عشرين عاماً، كانوا يأملون أن يجلب لهم اتفاق جوبا السلام والاستقرار. لكن الحرب الجديدة بين الجيش والدعم السريع، ثم الصراع بين البرهان ومناوي، أعادتهم إلى المربع الأول. بل إن وضعهم اليوم أسوأ مما كان عليه قبل الحرب، لأن البنية التحتية دُمرت بالكامل، والمساعدات الإنسانية شبه متوقفة، والمجتمع الدولي منشغل بأزمات أخرى.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
المرحلة المقبلة تحمل عدة سيناريوهات. السيناريو الأول: أن يتحول انسحاب مناوي إلى مواجهة عسكرية بين قواته والجيش، مما يفتح جبهة جديدة في دارفور. السيناريو الثاني: أن يتحالف مناوي مع قوات الدعم السريع أو مع حركات أخرى معارضة للبرهان، مما يغير موازين القوى بشكل جذري. السيناريو الثالث: أن يبقى مناوي في موقع الحياد السلبي، محتفظاً بقواته بعيداً عن الصراع، في انتظار ما ستسفر عنه الأحداث. السيناريو الرابع: أن يتدخل وسطاء إقليميون لرأب الصدع وإعادة مناوي إلى التحالف، وهو سيناريو ضعيف الاحتمال في المدى المنظور.
كل هذه السيناريوهات تحمل مخاطر كبيرة على دارفور وعلى السودان ككل. لا يوجد سيناريو واحد يضمن استقرار الإقليم وحماية أهله.
المسؤولية الدولية
المجتمع الدولي يتحمل مسؤولية كبيرة في ما آلت إليه الأوضاع. فبدلاً من الضغط على البرهان لاحترام تعهداته تجاه الحركات المسلحة وتجاه دارفور، تركه يتصرف بحرية مطلقة. وبدلاً من بناء آلية رقابة حقيقية على تنفيذ اتفاق جوبا، اكتفى بالتصريحات والبيانات.
الاتحاد الأفريقي والإيغاد مطالبان اليوم بالتدخل العاجل لمنع مزيد من التدهور. لكن تدخلهما لن يكون ذا جدوى ما لم يترافق مع ضغط حقيقي على البرهان لقبول شراكة حقيقية مع كل مكونات الشعب السوداني، بما فيها الحركات المسلحة.
دروس للمستقبل
ما حدث بين البرهان ومناوي يحمل دروساً مهمة للمستقبل. الدرس الأول: أن التحالفات المبنية على المصلحة الآنية دون رؤية مشتركة محكوم عليها بالفشل. الدرس الثاني: أن تهميش أي مكون اجتماعي أو سياسي في السودان يهدد الاستقرار العام. الدرس الثالث: أن قضية دارفور لا يمكن حلها ضمن إطار سوداني عام دون الاعتراف بخصوصيتها. الدرس الرابع: أن السلام لا يُبنى على الإقصاء، بل على الشراكة الحقيقية.
إن ما يحدث اليوم بين البرهان ومناوي ليس مجرد خلاف بين شخصين، بل هو انعكاس لأزمة بنيوية في الدولة السودانية. أزمة غياب العقد الاجتماعي، وأزمة احتكار السلطة، وأزمة تهميش الأطراف. هذه الأزمة لن تُحل بإقصاء مناوي أو بسحب قواته، بل تتطلب إعادة تأسيس الدولة السودانية على أسس جديدة من العدالة والمساواة والشراكة.
دارفور تنتظر، وشعبها يعاني، والعالم يتفرج. والسؤال الذي يبقى بلا إجابة: كم من الضحايا يجب أن يسقطوا قبل أن يدرك الجميع أن لا حل عسكرياً ولا إقصاءً سيجلب السلام؟




