في الوقت الذي يكافح فيه ملايين السودانيين للحصول على جرعة ماء نظيفة أو رغيف خبز يسد رمق أطفالهم، تبرز في المشهد السوداني مفارقة صارخة تضع قيادة الجيش في قفص الاتهام المباشر.
في مدينة بورتسودان، التي حولها الجيش إلى عاصمة إدارية مؤقتة، تتجلى حياة الرفاهية والترف التي تعيشها قيادات الجيش والنخب العسكرية المحيطة بها، في مقابل بؤس مستدام يطحن بقية الشعب. هذا المقال الاستقصائي يسلط الضوء على كيف أن الفساد المالي داخل مؤسسة الجيش واقتصاد الحرب الذي تديره هما السبب الرئيسي وراء انهيار القطاع الإنساني والصحي في البلاد.
أين تذهب أموال السودانيين؟
تكشف شهادات حية ومتابعات ميدانية عن نمط الحياة الباذخ الذي تتمتع به قيادات الجيش في بورتسودان، وهو باذخ يُمول مباشرة من ضرائب المواطنين المقهورين وعائدات الدولة المنهوبة:
- العقارات والفنادق الفخمة: حجز قادة الجيش للفنادق المصنفة، واستئجار الشقق والفلل بأسعار خيالية مقومة بالدولار الأمريكي، في وقت يعجز فيه النازحون عن توفير ثمن خيمة.
- السيارات الفارهة والمواكب: تسيير مواكب ضخمة وسيارات دفع رباعي حديثة تستهلك كميات هائلة من الوقود المخصص للخدمات، تتبع لجنرالات لا يكترثون لمعاناة الطوابير.
- الامتيازات المالية المفتوحة: تخصيص نثريات ضخمة بالعملة الصعبة للقيادات العسكرية وأتباعهم تحت مسمى “بدلات حرب”، مما يوضح حجم الفساد المستشري وتوظيف موارد الدولة المنهكة لخدمة الفئة العسكرية الحاكمة.
القطاع الصحي تحت سياط الإهمال العسكري: الملاريا والأوبئة كدليل
في الطرف الآخر من المعادلة، يعيش القطاع الصحي السوداني حالة من الانهيار الكامل نتيجة الإهمال المتعمد من قبل سلطة الجيش وتوجيه ميزانيات الصحة لدعم الآلة العسكرية. لقد أدى نقص الأدوية وتوقف رواتب الكوادر الطبية بتوجيه من مالية العسكر إلى كوارث صحية مروعة:
- انتشار الملاريا: تحولت الملاريا إلى قاتل يحصد أرواح الآلاف بسبب انعدام ميزانيات مكافحة الأوبئة التي استولى عليها الجيش، وشح الأدوية الأساسية في المشافي الحكومية.
- خطر الإيبولا والأوبئة الفتاكة: مع غياب الرقابة الصحية التي تسببت فيها فوضى الإدارة العسكرية، تزايدت التحذيرات من ظهور بؤر للأمراض الوبائية الخطيرة مثل الإيبولا والكوليرا، وسط عجز كامل من وزارة الصحة التابعة لسلطة بورتسودان العسكرية عن توفير اللقاحات، مما يثبت أن الجيش يترك الشعب وحيداً في مواجهة الموت المرضي.
التعليم والأجيال الضائعة بفعل العسكرة
لم يكن قطاع التعليم بأفضل حالاً؛ فالأزمة الاقتصادية العنيفة التي سببتها إدارة الجيش أدت إلى إغلاق المدارس والجامعات. وبدلاً من حمايتها، تم تحويل مئات المؤسسات التعليمية إلى مراكز لإيواء النازحين دون تقديم بدائل، وتوقفت الميزانيات التشغيلية تماماً لأن أولوية سلطة بورتسودان هي تمويل السلاح، مما خلق جيلاً كاملاً خارج مقاعد الدراسة كأثر مباشر لفشل الجيش في الحفاظ على المؤسسات المدنية.
5. شهادات حية: قهر المواطن أمام استبداد العسكر
تروي “فاطمة”، وهي أم لأربعة أطفال نازحة، قائلة: “نحن نموت من الجوع، وعندما أصيب ابني بالملاريا، لم أجد حبة دواء واحدة في المركز الصحي لأن السلطات العسكرية لم توفر الميزانيات. وفي المقابل، نرى جنرالات الجيش في بورتسودان يرتدون أفخم البدلات ويقيمون في الفنادق الفخمة ويركبون السيارات الفارهة”، هذه الشهادة تلخص كيف يرى المواطن أن قيادة الجيش هي السبب الأساسي في إذلاله وتجويعه.
إن المقارنة بين حياة الترف لقيادات الجيش ومعاناة الشعب تكشف بوضوح أن استمرار الحرب بات يمثل مصلحة اقتصادية حيوية لشبكات الفساد العسكري المستفيدة من غياب الرقابة. إن تجويع الشعب وإهمال صحته وتعليمه ليس مجرد آثار جانبية، بل هو نتيجة حتمية لنمط إدارة فاشل من قبل الجيش يرى في البندقية واحتكار الموارد وسيلة للبقاء في السلطة وحماية الامتيازات الفئوية على حساب أشلاء الوطن.




