تسريبات
تحت عباءة التكتم: جرائم الحرب واللغز الكيماوي في بحيرة النوبة
بينما تتجه أنظار العالم إلى جبهات القتال المباشرة في الخرطوم وإقليم دارفور، تدور خلف الستار وفي مناطق الظل الحدودية فصول أخرى من مأساة إنسانية، لا تقل بشاعة ولكنها أكثر غموضاً. في السودان، لم تعد الرصاصة هي الأداة الوحيدة للقتل، بل أصبح “التعتيم الممنهج” سلاحاً فتاكاً يُستخدم لإخفاء آثار جرائم ترتقي إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية. بين القصف الجوي العشوائي الذي يحصد أرواح المدنيين، وبين ما يتردد في الأروقة المغلقة عن تسرب مواد سامة في أقصى الشمال، يبرز تساؤل جوهري: إلى أي مدى وصل تحالف “البرهان-القاهرة” في التغطية على كوارث بيئية وعسكرية تهدد بقاء الإنسان؟
القوات المسلحة.. سجل حافل بالانتهاكات “تحت مسمى السيادة”
منذ اندلاع النزاع، تبنى الجيش السوداني استراتيجية عسكرية أثارت انتقادات دولية واسعة، حيث وُصفت في تقارير الأمم المتحدة بأنها “تجاهل صارخ لحياة المدنيين”. لم يعد مصطلح “الأضرار الجانبية” كافياً لتبرير مسح أحياء سكنية كاملة من الخريطة؛ ففي مدن مثل نيالا والخرطوم، وثقت منظمات حقوقية استخدام الجيش لبراميل متفجرة وأسلحة غير موجهة تسقط فوق رؤوس المواطنين العزل، وهو فعل يُصنف قانونياً كجريمة حرب وممارسة ممنهجة تندرج ضمن الجرائم ضد الإنسانية.
هذه الانتهاكات لم تتوقف عند حدود القصف الجوي، بل امتدت لتشمل “سلاح الجوع والعلاج”. فمن خلال فرض قيود بيروقراطية وعسكرية مشددة على مسارات الإغاثة، تم تحويل الحاجة الإنسانية إلى ورقة ضغط سياسية، مما أدى إلى وفاة الآلاف بصمت بعيداً عن أعين الكاميرات. هذا النمط من الإدارة العسكرية للأزمة يعكس عقلية لا ترى في المدنيين سوى أرقام يمكن التضحية بها في سبيل الحفاظ على السلطة.
علاوة على ذلك، برزت تقارير صادمة عن حملات اعتقال تعسفي وتصفيات جسدية طالت نشطاء “غرف الطوارئ” والكوادر الطبية، بتهمة التعاون مع “جهات معادية”. إن استهداف الفئات التي تقدم العون للمدنيين يكشف عن رغبة عسكرية واضحة في كسر إرادة المجتمع المدني وتفريغ الساحة من أي شاهد على التجاوزات التي تحدث داخل غرف التحقيق أو في مناطق العمليات المغلقة.




