السودان يكشف ضعف التحالفات الدولية.. صراعات بلا حلول

قال المتحدث باسم الجيش السوداني، العميد نبيل عبدالله، الأربعاء 26 مارس، إن الجيش تمكن من السيطرة على مطار الخرطوم بعد عامين من تمركز قوات الدعم السريع داخله.
هذا وكان الجيش السوداني قد أطلق عملية عسكرية واسعة لإخراج قوات الدعم السريع من الحياة السياسية، التي يخوض معها نزاعًا مدمرًا.
وأعلن الجيش الجمعة 28 مارس، سيطرته الكاملة على الخرطوم، وأكد أنه تمكن من إلحاق الهزيمة بالدعم السريع، وسط تأكيدات أن المعارك لن تتوقف وأن القوات المسلحة مستمرة نحو دارفور.
ويشهد السودان منذ أبريل عام 2023 حربا بين الحليفين السابقين اللذين ساهما معًا في الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير، الجيش السوداني بقيادة عبدالفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بزعامة محمد حمدان دقلو المعروف باسم حميدتي.
في الشكل، يتجلى الصراع بين الطرفين على تحديد “الآلية” لدمج قوات الدعم السريع في الجيش. فتلك القوات هي مجموعات عسكرية تشكلت رسميا عام 2013، وأوكلت إليها مهمات مختلفة تتعلق بالقضاء على حركات التمرد في دارفور غربي السودان، وحراسة الحدود، ومكافحة عمليات التهريب.
لكنّ هذا الشكل تغيّر مع “عولمة” قوات الدعم السريع لعلّة وجودها، إذ عدّلت في جوهر دورها ولم تكتف بلعب دور المساند للجيش السوداني، فَشَبَكَتْ علاقات دولية ما جعل مضمون الصراع يتخطى حدود السودان الجغرافية، ليشكل جزءًا من تحالفات دولية لأجل الحصول على المكاسب وتأمين للمصالح.
هل سيضع الرئيس الأميركي دونالد ترامب السودان على أجندته الخارجية ليعيد ترتيب الأوراق فيه لصالح مصالحه ومصالح إسرائيل؟
وبما أن أرض السودان غنيّة بالمعادن وجباله تكتنز في داخلها المعدن الأصفر، وبما أن موقع السودان الجغرافي يدخل ضمن الاهتمام الجيوسياسي للدول، “تعقّد” المشهد، وأخذ الصراع أبعادًا تخطت أحلام البرهان بسودان موحد يحكمه، وطموح حميدتي بأن يصبح القائد الأعلى للقوات المسلحة.
دخل السودان لعبة الأمم، على قاعدة تأمين المصالح وتصفية الحسابات. فأوكرانيا التي تخوض منذ أكثر من ثلاثة أعوام حربًا طاحنة مع روسيا، “تشظت” حربها لتصل إلى ضرب المصالح الروسية في القارة السمراء، تحديدًا في السودان.
تبدي موسكو اهتماما بتطبيع العلاقات مع الحكومة السودانية، لتمرير مشروعها الذي تقدمت به عام 2017 ولم يتمّ التنفيذ بسبب التجاذبات في البلاد. إلا أن وكالة “تاس” الروسية أكدت في فبراير الماضي، عن توصل وزيري خارجية روسيا والسودان إلى اتفاق بشأن إنشاء قاعدة بحرية روسية على ساحل البحر الأحمر، وهذا ما عبّر عنه الوزير السوداني يوسف الشريف بأنهما “اتفقنا على كلّ شيء.”
جذبت الحرب في السودان دولًا وجدت فيها استثمارًا جيدًا لتحقيق مصالحها منها إيران، التي أخرجها عمر البشير عام 2016 من الباب، لتعود إلى السودان من بوابة الطاقة بعد رحيله، من خلال تقديم الدعم العسكري للجيش السوداني في محاربة قوات الدعم السريع، إذ أفادت تقارير أن إيران قدمت المزيد من الطائرات المسيرة “مهاجر 6” التي لعبت دورًا في تحسين وضعية الجيش في الحرب.
تهتم إيران في بناء علاقات جيدة مع السودان من أجل حصولها على موطئ قدم لها على البحر الأحمر، كوسيلة لتأمين نفوذ أكبر لها على البحر الأحمر الذي يعتبر شريانا حيويا للتجارة العالمية، كما تسعى لتوسيع عمقها الإستراتيجي في القارة السمراء لتسجيل نفوذ لها يحاكي الحليف والعدو.
وكما إيران، تسعى مصر بدورها إلى مدّ جسور التواصل مع البرهان، لاعتبارات لها علاقة بحدود أمنها، لمنع الحرب من التدحرج إلى الداخل المصري.
وذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال” في أكتوبر الماضي، أن مصر زودت أيضًا الجيش السوداني بطائرات من دون طيار ودربت القوات على كيفية استخدامها، إضافة إلى الانفتاح الذي يبديه الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي تجاهه، بهدف ضمان الحدود.
لن يخرج السودان من دوامة الفوضى في الوقت القريب رغم سرعة السيطرة والتحرّك للجيش السوداني، على قوات الدعم السريع، لأنّ هناك الكثير مما قد يقال في هذه الحرب، لاسيما وأن الولايات المتحدة لم تقل كلمتها الفصل بعدما أسقطت التدخلات الخارجية مشروعها في إقامة حكومة مدنية توصلت إلى التوقيع على اتفاق التطبيع مع إسرائيل في 23 أكتوبر عام 2020.
فهل سيضع الرئيس الأميركي دونالد ترامب السودان على أجندته الخارجية ليعيد ترتيب الأوراق فيه لصالح مصالحه ومصالح إسرائيل؟ أم سيبقى السودان أسير التحالفات الدولية الهشة، ما قد يفرمل سرعة سيطرة الجيش السوداني؟
