الحرب لا تنتهي عند السلاح.. جيل سوداني يدفع ثمن انهيار التعليم
حوّلت الحرب في السودان المدارس إلى ساحات قتال وملاجئ للنازحين وثكنات عسكرية، وحرمت ملايين الأطفال من التعليم، في واحدة من أعمق أزمات التعليم التي شهدتها البلاد، وفق دراسة حديثة للمركز الأفريقي للعدالة ودراسات السلام (ACJPS) صدرت في يونيو 2026.
وتغطي الدراسة الفترة من أبريل 2023 إلى يونيو 2026، واعتمدت على 16 مقابلة مع طلاب وأسر ومعلمين وخبراء وناشطين، إلى جانب مراجعة أكثر من 30 تقريراً صادراً عن وكالات الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان.
13 مليون طفل خارج التعليم
بحسب التقرير، بلغ عدد الأطفال في سن الدراسة الذين أصبحوا خارج النظام التعليمي نحو 13 مليون طفل بنهاية 2025، فيما حُرم نحو 10.8 مليون طفل من التعليم والأمان.
وتضررت أو تعطلت أو فقدت وظيفتها التعليمية أكثر من 10,400 مدرسة، مع إغلاق مدارس استمر لأكثر من 500 يوم في بعض المناطق، وهو ما وصفه التقرير بأنه أطول إغلاق مدرسي في التاريخ الحديث للنزاعات المسلحة.
جذور الأزمة
ولم تبدأ الأزمة مع الحرب وحدها، إذ كان النظام التعليمي يعاني قبل اندلاع القتال من ضعف التمويل، وتدهور البنية التحتية، واختلال فرص الوصول إلى التعليم بين المناطق وبين الجنسين، إضافة إلى انخفاض أجور المعلمين وتأخرها.
وترى الدراسة أن هذه المشكلات راكمت هشاشة جعلت النظام التعليمي أقل قدرة على الصمود أمام الحرب.
المدارس بين القصف والثكنات وملاجئ النازحين
وثقت الدراسة، نقلاً عن الائتلاف العالمي لحماية التعليم من الهجمات، مئات الهجمات على المدارس في الخرطوم ودارفور، شملت الغارات الجوية والقصف المدفعي وحرق المنشآت التعليمية.
كما تعرضت مكاتب وزارة التربية في نيالا للقصف، ودُمرت سجلات ووثائق تعليمية.
وفي مناطق أخرى، تحولت المدارس إلى منشآت عسكرية، إذ استُخدمت كثكنات للجنود ومخازن للأسلحة والذخائر ومراكز للقيادة والسيطرة، ما جعلها عرضة للاستهداف وحرم الأطفال من استخدامها.
وتشير شهادات التقرير إلى أن مدارس استُخدمت كمواقع عسكرية ثم تعرضت للقصف، بينما قال طلاب إن مدارسهم تحولت إلى قواعد عسكرية ودُمرت جزئياً ولم تُفتح من جديد.
وفي المناطق الأكثر أمناً، تحولت مئات المدارس في ولايات البحر الأحمر ونهر النيل وكسلا إلى ملاجئ للنازحين.
وشهدت الجزيرة وكردفان والنيل الأزرق وضعاً أكثر تعقيداً، إذ كانت بعض المدارس تعمل فصولاً دراسية خلال النهار ومراكز إيواء خلال الليل، في وضع يصفه خبراء بـ”الأزمة المزدوجة”.
وفي غرب كردفان، لم يبقَ سوى نحو 15% من المدارس تعمل، بينما دُمر الباقي أو تحول إلى ملاجئ.
الشهادة السودانية.. امتحان يتحول إلى معركة
من أبرز مظاهر الأزمة التعليمية، وفق التقرير، حرمان آلاف الطلاب من الوصول إلى امتحانات الشهادة السودانية بسبب مواقعهم الجغرافية.
ففي العام السابق للحرب، تقدم نحو 570 ألف طالب لامتحانات الشهادة السودانية، لكن العدد انخفض إلى نحو 200 ألف بحلول ديسمبر 2024، ما يعني أن نحو 370 ألف طالب لم يتمكنوا من أداء الامتحان.
وفي دارفور وكردفان، كان نحو 280 ألف طالب مؤهلين للامتحان لكنهم لم يتمكنوا من الوصول إليه، بينما واجه نحو 370 ألف طالب في مناطق أخرى صعوبات في الجلوس للامتحانات.
وتحول الوصول إلى مركز الامتحان نفسه إلى رحلة محفوفة بالمخاطر. يوثق التقرير حالة طالبة من شرق دارفور قطعت مسافات طويلة، وعبرت نقاط تفتيش، وتعرضت لسوء معاملة، قبل أن تكتشف أنها لا تحمل رقم تسجيل للامتحان.
وفي حالة أخرى، وصلت طالبة من دارفور إلى كوستي بعد رحلة استغرقت أكثر من عشرة أيام، ولم تدخل قاعة الامتحان إلا قبل بدايته بعشر دقائق.
وفي فبراير 2026، ظهرت مبادرة وطنية لإنقاذ طلاب الشهادة السودانية في دارفور وكردفان، بعد انتشار مقطع لطالبات من مدرسة الوحدة في نيالا يطالبن بحقهن في أداء الامتحانات.
ووفق التقرير، لم يتمكن سوى نحو 2000 طالب من دارفور من الوصول إلى مراكز الامتحانات في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش في أبريل 2026، من أصل نحو 280 ألف طالب ما زالوا محرومين.
النساء يدفعن ثمناً أكبر
لا تضرب الحرب الأطفال بصورة متساوية، إذ تكشف الدراسة عن فجوة واضحة بين الفتيات والفتيان.
فالفتيات شكلن 65% من الطلاب المؤهلين لأداء الامتحان في دارفور لكنهم لم يتمكنوا من الجلوس له، وهو ما يعكس القيود الأكبر المفروضة على حركة الفتيات ومخاوف الأسر المتعلقة بأمنهن.
ومع غياب المدارس وتدهور الأوضاع الاقتصادية والأمنية، رصد التقرير زيادة في زواج الفتيات في سن مبكرة، حيث تلجأ بعض الأسر إلى الزواج باعتباره وسيلة للحماية أو لتخفيف الأعباء الاقتصادية.
كما أدى توقف التعليم إلى خروج فتيات من المدارس ودخولهن سوق العمل الهش، بينما أشارت شهادات إلى تدهور الحالة النفسية للطالبات وتأثير ذلك في رغبتهن في مواصلة الدراسة.
المعلمون.. ضحايا على خط النار
لم يسلم المعلمون أنفسهم من تداعيات الحرب.
ويشير التقرير إلى مقتل 41 معلماً وفق لجنة المعلمين السودانيين، بينهم 11 قُتلوا على يد قوات الدعم السريع، و5 على يد الجيش، بينما قتل 25 آخرون في الاشتباكات.
كما وثقت اللجنة اعتقال 13 معلماً من جانب الجيش و13 من جانب الدعم السريع، إضافة إلى فصل 49 معلماً من الخدمة، ليصل إجمالي الانتهاكات التي سجلتها اللجنة إلى 116 انتهاكاً.
وفي منطقة الهلالية بولاية الجزيرة وحدها، تحدثت شهادات عن مقتل أكثر من 30 معلماً ومعلمة.
وبالتوازي، يعاني قطاع التعليم من أزمة رواتب حادة. فقد كشفت المقابلات أن معلمين في معظم الولايات لم يتقاضوا رواتبهم لفترات تراوحت بين 14 شهراً وعامين، فيما لجأ بعضهم إلى أعمال هامشية مثل قيادة الركشات أو بيع السلع في الأسواق.
وفي إحدى الشهادات، أفاد معلم بأن نحو 60% من الرواتب كانت تُدفع بصورة متقطعة وغير منتظمة.
الأطفال بين المدرسة والعمل والسلاح
تتجاوز تداعيات توقف التعليم حدود فقدان الدروس والامتحانات، لتصل إلى حماية الأطفال أنفسهم.
ويحذر التقرير من توثيق حالات لتجنيد واستخدام الأطفال داخل المدارس أو بالقرب منها في دارفور، وهو ما يهدد بتحويل المؤسسات التي يفترض أن تحمي الأطفال إلى بيئات مرتبطة بالعنف.
كما تشير شهادات إلى أن بعض طلاب المرحلة الثانوية انزلقوا نحو المشاركة في القتال أو حمل السلاح.
وفي الجزيرة، تحدثت شهادات عن انتقال طلاب المدارس المتوسطة إلى أعمال هامشية مثل الزراعة والحدادة وصيد الأسماك، في ظل غياب التعليم وارتفاع الضغوط الاقتصادية.
وهكذا لا يخسر الطفل عاماً دراسياً فحسب؛ بل قد يخسر المسار الذي كان يمكن أن يقوده إلى الجامعة والعمل والاستقرار.
الأطفال ذوو الإعاقة.. الحلقة الأضعف
ويصف التقرير الأطفال ذوي الإعاقة بأنهم من أكثر الفئات هشاشة في منظومة حماية الحق في التعليم أثناء الحرب.
وتشير شهادات معلمين إلى غياب شبه كامل للدعم الحكومي لهذه الفئة بعد الحرب، بينما يقر التقرير بوجود فجوة كبيرة في البيانات المتعلقة بأعداد الأطفال ذوي الإعاقة المتضررين، داعياً إلى إجراء أبحاث ميدانية مستقلة لتحديد حجم المشكلة.
النازحون واللاجئون.. مدرسة بلا مقعد
أنتج النزوح الجماعي ملايين الأطفال الذين يعيشون واقعين تعليميين مختلفين: أطفال بقوا في مناطق القتال، وآخرون فروا إلى ولايات أكثر أمناً أو عبروا الحدود.
في مناطق الصراع، وجد أطفال أنفسهم وسط العنف مع غياب شبه كامل للمدارس، بينما حاول بعض المعلمين تقديم التعليم مقابل رسوم رمزية.
وفي الولايات الأكثر أمناً، اكتظت المدارس بسبب تحويل بعضها إلى مراكز إيواء. أما اللاجئون في دول الجوار، فواجهوا عقبات أخرى، بينها ارتفاع تكاليف التعليم والنقل، وصعوبة التسجيل، واختلاف المناهج واللغة.
وفي أحد مخيمات اللاجئين في أوغندا، تبلغ تكلفة إرسال الطفل إلى مراكز الدعم التعليمية نحو 10 آلاف شلن أوغندي يومياً، أي قرابة 2.50 دولار، وهو مبلغ لا تستطيع أسر لاجئة كثيرة تحمله.
كما تراوحت رسوم بعض المدارس السودانية بين 800 و900 دولار سنوياً، وفق شهادات وردت في التقرير.
وتضاف إلى ذلك مشكلة الفجوة بين المنهج السوداني ومناهج الدول المضيفة، ما دفع بعض الطلاب إلى إعادة سنة دراسية أو أكثر، فضلاً عن حواجز اللغة وإجراءات التسجيل المعقدة.
حرب تركت آثارها في عقول الأطفال
أحد أخطر أوجه الأزمة لا يظهر في المباني المدمرة أو الأرقام، وإنما في نفسية الأطفال.
يرصد التقرير أعراضاً واسعة للصدمة النفسية، بينها التوتر المستمر وصعوبة التركيز والفهم، إضافة إلى الخوف من أصوات الطائرات والقصف والذخائر.
ويشير إلى أن أطفالاً في مناطق الحرب أصبحوا يتحدثون بصورة اعتيادية عن الموت والأسلحة والطائرات والقذائف والجنود والميليشيات، وهو ما يعد مؤشراً خطيراً على تطبيع العنف داخل وعي جيل كامل.
وفي إحدى الشهادات، قالت أسرة إن طفلها كان يصاب بحالات إغماء شديدة عند سماع القصف أو الطائرات، بينما تحدث معلم من جنوب دارفور عن تحول الحديث عن الموت والحرب إلى أمر عادي بين الأطفال.
مبادرات شعبية تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه
في ظل ضعف الاستجابة الرسمية، ظهرت مبادرات مجتمعية في عدد من المناطق.
وأشارت الدراسة إلى إنشاء فصول غير رسمية في أحياء بالجزيرة والخرطوم وجنوب دارفور والنيل الأزرق، إلى جانب مبادرات تعليمية في الخلاوي ومراكز دعم للاجئين.
كما برزت مبادرة إنقاذ طلاب الشهادة السودانية، بدعم من شبكات شبابية ونقابات ومنظمات مهنية واتحاد المرأة السودانية ورابطة محامي دارفور وغيرها.
وتشير الدراسة أيضاً إلى الدور الذي لعبته غرف الطوارئ السودانية وشبكات الشباب في محاولة استمرار التعليم وتوفير الخدمات الأساسية للمتضررين من الحرب.
لكن هذه المبادرات، بحسب التقرير، لا تزال محدودة وغير مستدامة، ولا تستطيع وحدها سد الفراغ الذي تركته مؤسسات الدولة.
استجابة دولية لا تزال دون حجم الأزمة
توجد برامج دولية لدعم التعليم في السودان، بينها نداء اليونيسف لعام 2026 بقيمة 962.9 مليون دولار، وبرامج “التعليم لا يمكن أن ينتظر”، والشراكة العالمية من أجل التعليم، وخطة اليونسكو للانتقال التعليمي في السودان للفترة 2025-2027، إلى جانب برامج المفوضية السامية لشؤون اللاجئين لدعم تعليم الأطفال السودانيين في دول الجوار.
لكن التقرير يرى أن الاستجابة الإنسانية الدولية لا تزال محدودة قياساً بحجم الكارثة، وأن تأثير التمويلات والبرامج على الأرض لا يزال ضعيفاً.
كما ينتقد تركيز جزء كبير من الاستجابة الإنسانية على الغذاء والصحة والحماية، بينما يحتاج الأطفال أيضاً إلى التعليم والدعم النفسي والأنشطة الثقافية والمناهج والبرامج التعليمية اللامنهجية.
انتهاكات تتجاوز الجانب الإنساني
لا ينظر ACJPS إلى أزمة التعليم باعتبارها مجرد نتيجة جانبية للحرب، بل يرى أن عدداً من الممارسات الموثقة يمثل انتهاكات للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
ويشير التقرير إلى أن الهجمات على المدارس واستخدامها لأغراض عسكرية واستهداف العاملين في التعليم وحرمان الطلاب من الامتحانات تتعارض مع القواعد التي تحمي المنشآت التعليمية باعتبارها أعياناً مدنية.
كما يرى أن حرمان نحو 280 ألف طالب في دارفور وكردفان من الامتحانات يمثل تمييزاً قائماً على الموقع الجغرافي والانتماء إلى مناطق معينة، بينما يتعارض عدم حماية الأطفال من الأضرار النفسية مع الالتزامات الدولية المتعلقة بحمايتهم وإعادة تأهيلهم.
إنقاذ 280 ألف طالب قبل فوات الأوان
يضع التقرير امتحانات الشهادة السودانية لعام 2026 في قلب لحظة حرجة، باعتبارها الفرصة الأخيرة لآلاف الطلاب وفق المنهج والسلم التعليمي الحالي.
ويحذر من أن هذه النافذة قد تغلق نهائياً أمام نحو 280 ألف طالب في دارفور وكردفان إذا لم تُتخذ إجراءات طارئة تضمن وصولهم إلى الامتحانات.
وتشمل توصيات المركز وقف الحرب، ووقف الهجمات على المدارس والمعلمين، وإخلاء المؤسسات التعليمية من الاستخدام العسكري، وإعادة تأهيل المدارس، وسداد متأخرات المعلمين ووقف الخصومات غير القانونية.
كما يدعو إلى تنظيم امتحانات موحدة وشاملة لجميع الطلاب بغض النظر عن مواقعهم الجغرافية أو مناطق السيطرة العسكرية، وتمويل برامج التعليم في الطوارئ، وإدماج الدعم النفسي في العملية التعليمية، وضمان العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.




