لم يبدأ الحضور القطري في السودان مع اندلاع الحرب في أبريل 2023، بل يعود إلى سنوات سبقتها، عندما تحولت الدوحة إلى لاعب مهم في الملف السوداني، خصوصاً في دارفور.
فبين عامي 2008 و2013، قادت قطر مساراً تفاوضياً بين الحكومة السودانية وعدد من الحركات المسلحة في دارفور، وانتهى المسار إلى وثيقة الدوحة للسلام في دارفور عام 2011. وقد رافق الوساطة القطرية حضور اقتصادي وإنساني واسع، جعل الدوحة أحد أبرز اللاعبين الخارجيين في الإقليم. وتشير دراسات أكاديمية إلى أن قطر استخدمت المساعدات والعلاقات السياسية والقدرة المالية لتشجيع الأطراف على التفاوض.
لكن تجربة دارفور حملت منذ البداية إشكالية أساسية: القدرة على جمع الأطراف لا تعني القدرة على إنهاء الصراع.
فبعض الحركات المسلحة لم تدخل العملية، بينما استمرت أعمال العنف بعد توقيع الاتفاق، وهو ما جعل التجربة القطرية موضع نقاش حول مدى شموليتها وفعاليتها.
وهذه النقطة مهمة لفهم الدور القطري لاحقاً. فبدلاً من النظر إلى الدوحة باعتبارها وسيطاً ظهر فجأة مع الحرب الحالية، ينبغي النظر إليها باعتبارها دولة راكمت على مدى سنوات شبكة من العلاقات مع النخب السياسية والقبلية والحركات المسلحة والفاعلين الاجتماعيين في السودان.
علاقة بالبشير
شهدت العلاقات بين الدوحة والخرطوم تطوراً ملحوظاً خلال فترة حكم عمر البشير.
وتشير دراسة أكاديمية حديثة حول العلاقات القطرية السودانية إلى أن قطر تمكنت بين عامي 2008 و2017 من توسيع نفوذها في السودان عبر المساعدات والعلاقات مع الشبكات الإسلامية، وأن التقارب مع نظام البشير كان جزءاً من سياسة قطرية أوسع في المنطقة.لم تكن هذه العلاقة مجرد علاقة دبلوماسية تقليدية.
فقد جمعت بين المصالح الاقتصادية والسياسية، وبين تقارب مع دوائر مرتبطة بالإسلام السياسي. وهذا منح الدوحة قنوات اتصال واسعة داخل السودان، لكنه في الوقت نفسه جعل صورتها لدى خصوم التيار الإسلامي مرتبطة بشبكة النفوذ التي نشأت خلال عهد البشير.
وهنا بدأت إحدى أكثر الإشكاليات حساسية في الدور القطري.
فحين تغير النظام السوداني بعد احتجاجات 2019، لم تختفِ الشبكات السياسية والاجتماعية التي تكونت خلال العقود السابقة. وظلت بعض القوى المرتبطة بالإسلاميين حاضرة داخل الدولة والمجتمع والمؤسسات الأمنية والسياسية.وبالتالي، فإن النفوذ الذي راكمته قطر في المرحلة السابقة أصبح جزءاً من البيئة السياسية التي أعيد تشكيلها بعد سقوط البشير.
الإسلاميون في المشهد
تكتسب هذه النقطة أهمية أكبر بعد اندلاع الحرب.فالصراع بين الجيش وقوات الدعم السريع لم يبقَ مواجهة عسكرية ثنائية خالصة، وإنما دخلت فيه قوى سياسية ومسلحة واجتماعية متعددة.
وقد وثقت تقارير وتحقيقات حديثة تصاعد دور مجموعات إسلامية مسلحة إلى جانب الجيش خلال الحرب، في وقت تسعى فيه الحركة الإسلامية السودانية إلى استعادة نفوذها السياسي الذي فقدته بعد سقوط البشير.
غير أن الربط المباشر بين هذه التطورات وبين سياسة قطر الحالية يحتاج إلى قدر كبير من الحذر.فوجود علاقة تاريخية بين الدوحة وشبكات إسلامية سودانية لا يثبت تلقائياً أن قطر تدير هذه المجموعات أو توجه عملياتها العسكرية.
لكن القضية الأهم سياسياً تتمثل في أن الإرث السابق للعلاقات القطرية داخل السودان منح الدوحة مساحة نفوذ واتصال لا تملكها بعض الأطراف الخارجية الأخرى.
وهذا النفوذ يمكن أن يكون أداة للوساطة، لكنه يمكن أيضاً أن يصبح مصدر شك لدى القوى السودانية التي تخشى عودة الإسلاميين إلى السلطة.
بعد سقوط البشير
بعد سقوط البشير، أعادت قطر تقييم طريقة تعاملها مع السودان.وتشير دراسة حول السياسة القطرية في السودان إلى أن الدوحة انتقلت بعد 2019 إلى سياسة أكثر انخفاضاً في الظهور السياسي المباشر، مع التركيز بدرجة أكبر على المساعدات والمجتمعات المحلية، خصوصاً في دارفور.هذه السياسة أتاحت لقطر الحفاظ على حضورها من دون الدخول في مواجهة مباشرة مع السلطة الانتقالية الجديدة.
لكن اندلاع الحرب أعاد خلط الأوراق.فمع انهيار مؤسسات الدولة وانتقال مركز السلطة بين مناطق مختلفة، أصبحت العلاقات القديمة أكثر أهمية، وأصبح امتلاك قنوات اتصال مع أطراف سياسية واجتماعية مختلفة مصدراً للقوة.
وفي بيئة كهذه، يمكن لأي دولة ذات نفوذ سابق أن تتحول من مجرد طرف خارجي إلى لاعب قادر على التأثير في شكل التسوية المقبلة.
دعم الجيش
من أبرز التحولات التي فرضتها الحرب تمركز السلطة السياسية والعسكرية في المعسكر المرتبط بالجيش.وقد حافظت قطر على اتصالات رسمية مع قيادة الدولة السودانية، واستقبل أمير قطر عبد الفتاح البرهان في الدوحة خلال سبتمبر 2023، حيث أكدت قطر آنذاك دعمها لوقف القتال والحوار والحل السلمي.وفي مارس 2026، أجرى أمير قطر اتصالاً هاتفياً مع البرهان، وأكد الجانبان أهمية أمن السودان واستقراره وتكثيف الجهود الدبلوماسية.
هذه الاتصالات الرسمية لا تعني بالضرورة دعماً قطرياً للحرب.لكنها تكشف عن موقع قطر في المعادلة السودانية: علاقة مباشرة مع رأس السلطة العسكرية والسياسية في المرحلة الحالية.
وهذا يمنح الدوحة قدرة على التأثير في أي مسار تفاوضي مقبل، لكنه في الوقت ذاته قد يثير مخاوف القوى المناهضة للجيش من أن تكون التسوية المستقبلية منحازة إلى إعادة إنتاج بنية السلطة القديمة.
ورقة الإسلاميين
تزداد حساسية الدور القطري عندما يتعلق الأمر بمستقبل الإسلاميين.فالحرب أوجدت فرصة أمام قوى سياسية فقدت نفوذها بعد 2019 للعودة إلى المشهد. وتقول تقارير حديثة إن الحركة الإسلامية السودانية دعمت الجيش في الحرب وسعت إلى استثمار التقدم العسكري للعودة إلى المجال السياسي.
وهنا تظهر معضلة قطر.فحتى إذا لم تكن الدوحة مسؤولة مباشرة عن تحركات هذه القوى، فإن تاريخ علاقاتها مع الإسلاميين يجعل أي عودة قوية لهذا التيار إلى الحكم مرتبطة في نظر خصومه إقليمياً ودولياً بالسؤال عن الدور القطري.
وتكمن خطورة هذه المعادلة في أنها قد تدفع بعض القوى السودانية إلى الاعتقاد بأن الحرب ليست فقط صراعاً على السلطة بين الجيش والدعم السريع، وإنما معركة على هوية الدولة ومستقبلها السياسي.وعندما يتحول الصراع العسكري إلى صراع أيديولوجي، يصبح الوصول إلى تسوية أكثر صعوبة.
المال والمساعدات
لا يمكن فصل السياسة القطرية عن أدواتها الاقتصادية والإنسانية.فقد استخدمت قطر المساعدات وإعادة الإعمار والعمل الإنساني كجزء من سياستها في دارفور، وهو أمر موثق في الدراسات التي تناولت حضورها في السودان.
وفي الظروف الطبيعية، يمكن للمساعدات أن تكون وسيلة لبناء السلام.لكن في الدول التي تعاني من الانقسامات، يمكن أيضاً أن تتحول المساعدات إلى مصدر نفوذ سياسي إذا لم تكن ضمن إطار دولي واضح وشفاف.
ولهذا، فإن المشكلة ليست في تقديم المساعدات للسودانيين، وإنما في الطريقة التي يمكن أن تتحول بها المساعدات إلى شبكة نفوذ طويلة الأمد.فالطرف الذي يمول مشاريع إعادة الإعمار أو يملك علاقات واسعة مع المجتمعات المحلية بعد الحرب سيملك بالضرورة قدرة أكبر على التأثير في السياسة المحلية.
دارفور من جديد
يحتل إقليم دارفور موقعاً مركزياً في فهم السياسة القطرية.فالدوحة بنت جزءاً كبيراً من نفوذها السوداني من خلال ملف دارفور، واستثمرت في الوساطة والمساعدات والتنمية.لكن تجربة وثيقة الدوحة كشفت مشكلة أساسية: الاتفاق السياسي الذي لا يشمل جميع الفاعلين لا يستطيع وحده إنهاء الحرب.
ولهذا، فإن إعادة إنتاج المنهج نفسه في الأزمة الحالية قد تحمل مخاطر كبيرة.السودان بعد 2023 أكثر تعقيداً من السودان الذي تعاملت معه الدوحة قبل أكثر من عقد.
عدد الفاعلين أكبر، والجغرافيا العسكرية أكثر تعقيداً، والانقسامات السياسية أعمق، والمجتمع المدني أكثر تضرراً، بينما تحولت الحرب إلى أزمة إقليمية ودولية.أي محاولة لإدارة الأزمة عبر النخب المسلحة والسياسية فقط قد تؤدي إلى إعادة إنتاج الصراع.
الوساطة المتأخرة
على الرغم من أن قطر تمتلك تاريخاً طويلاً في الوساطة، فإن دورها في الحرب الحالية لم يصل إلى مستوى الدور الذي لعبته في مفاوضات دارفور.وهذا يثير سؤالاً مهماً: لماذا لم تتحول الخبرة القطرية السابقة إلى مبادرة حاسمة لإنهاء الحرب؟
الجواب يرتبط بتعقيد المشهد الحالي.فالمبادرات الدولية والإقليمية أصبحت متعددة، وأصبحت هناك منصات تفاوض مختلفة، بينما تملك كل جهة رؤية مختلفة لمستقبل السودان.وفي هذه البيئة، لا يكفي أن تمتلك الدولة علاقات مع طرفي الصراع.بل يجب أن تمتلك القدرة على تنسيق الضغوط الخارجية وتقديم ضمانات حقيقية لتنفيذ الاتفاق.
تضارب الأدوار
تكمن إحدى أكبر مشكلات التدخلات الخارجية في السودان في تضارب الأدوار.
الدولة نفسها يمكن أن تكون في الوقت ذاته داعماً إنسانياً، ووسيطاً سياسياً، وصاحب مصالح اقتصادية، وصاحب علاقات مع تيارات سياسية سودانية.
وهذا ينطبق بصورة خاصة على قطر، التي بنت خلال سنوات شبكة واسعة من العلاقات داخل السودان.
وعندما تدخل دولة بهذه الخلفية إلى عملية السلام، يصبح من الصعب إقناع جميع الأطراف بأنها لا تحمل أجندة سياسية.
وقد تناولت الدراسات الأكاديمية بالفعل مسألة الجدل حول حياد الوساطة القطرية وفعاليتها، رغم الإقرار بدورها المهم في جمع الأطراف وتقديم الحوافز للتفاوض.
ومن هنا، فإن المشكلة لا تكمن بالضرورة في وجود قطر في السودان، وإنما في مدى وضوح الحدود بين الوساطة والنفوذ السياسي.
إطالة الحرب
هل يمكن تحميل قطر مسؤولية إطالة الحرب السودانية؟
الإجابة الدقيقة: لا توجد أدلة كافية تبرر القول إن قطر وحدها تتعمد إطالة الحرب أو تديرها عسكرياً.
لكن يمكن مناقشة دورها من زاوية أخرى.
فوجود قوى سياسية ذات صلات تاريخية بالدوحة داخل المعسكر الداعم للجيش، واستمرار العلاقات الرسمية الوثيقة مع قيادة الدولة، وتاريخ النفوذ القطري مع التيارات الإسلامية، كلها عوامل تجعل الدور القطري جزءاً من الحسابات السياسية للحرب.
وتزداد المشكلة عندما تتحول الحرب إلى وسيلة لإعادة ترتيب السلطة.
فإذا اعتقد تيار سياسي أن انتصار الجيش سيعيد إليه نفوذه، يصبح وقف الحرب بالنسبة إليه أقل جاذبية من استمرارها حتى تحقيق مكاسب عسكرية وسياسية.
وفي هذه الحالة، يصبح أي دعم سياسي أو دبلوماسي غير مشروط للمعسكر العسكري، مهما كانت نواياه، عاملاً قد يطيل الطريق إلى التسوية.
مشكلة الحياد
الوسيط الحقيقي يحتاج إلى شيء أكثر من إعلان الحياد.يحتاج إلى أن يقتنع به الخصوم.وهذا هو التحدي أمام قطر.فالعلاقات التاريخية مع نظام البشير، والقنوات مع الإسلاميين، والعلاقات الرسمية مع قيادة الجيش، تجعل جزءاً من القوى السودانية ينظر إلى الدوحة باعتبارها صاحبة مصالح، وليس مجرد وسيط.
وفي المقابل، فإن قطر تستطيع القول إن علاقاتها المتعددة هي تحديداً ما يمنحها القدرة على التواصل مع الأطراف التي يصعب على الآخرين الوصول إليها.وهنا تظهر المفارقة.
ما يمنح قطر قدرتها على الوساطة هو نفسه ما يضعف صورة حيادها.
بعد الحرب
السؤال الأهم ليس فقط ماذا تفعل قطر أثناء الحرب، وإنما ماذا تريد من السودان بعد الحرب.فالسودان يمتلك موارد زراعية ضخمة، وموقعاً استراتيجياً على البحر الأحمر، وثروات طبيعية، وسوقاً كبيراً، فضلاً عن موقعه في قلب القرن الأفريقي.وبالتالي، فإن مرحلة إعادة الإعمار ستكون ذات أهمية اقتصادية وسياسية كبيرة.
قطر، التي راكمت علاقات ومشروعات ومساعدات في السودان، ستكون في موقع يسمح لها بالمشاركة في هذه المرحلة.لكن نجاح هذا الدور يتطلب عدم ربط إعادة الإعمار بموازين القوى العسكرية التي ستخرج من الحرب.فالسودان يحتاج إلى عملية إعادة بناء مؤسساتية، وليس مجرد إعادة إعمار المدن.
الطريق إلى السلام
إذا أرادت قطر أن تتحول من طرف مؤثر في الأزمة إلى طرف يساعد فعلياً في إنهائها، فإن الخطوة الأساسية تتمثل في إعادة تعريف دورها.
الوساطة المقبلة يجب أن تكون شاملة، وأن تضم القوى المدنية والمجتمعية، وألا تقتصر على القيادات العسكرية.كما ينبغي أن تكون أي علاقات قطرية مع القوى السياسية السودانية معلنة وواضحة، وأن يكون الدعم الإنساني منفصلاً عن الحسابات السياسية.
والأهم أن تستخدم الدوحة قنواتها مع جميع الأطراف للضغط باتجاه وقف إطلاق النار، وليس فقط لتثبيت النفوذ.
فالسودان لا يحتاج إلى وسيط جديد يضيف منصة أخرى إلى عشرات المنصات الموجودة، وإنما يحتاج إلى وسيط يستطيع تحويل العلاقات إلى التزامات، والالتزامات إلى إجراءات، والإجراءات إلى وقف فعلي للحرب.
لا يمكن اختزال الدور القطري في السودان في صورة واحدة.فقطر كانت وسيطاً في دارفور، وداعماً إنسانياً، وصاحبة علاقات وثيقة مع نظام البشير، ثم حافظت بعد سقوطه على حضورها عبر المساعدات والعلاقات السياسية، بينما أصبحت خلال الحرب الحالية جزءاً من شبكة النفوذ الإقليمية التي تحيط بالسودان.
لكن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت قطر تريد استمرار الحرب.
السؤال الأكثر أهمية هو: هل تستطيع الدوحة استخدام نفوذها التاريخي لمنع القوى التي تتقاطع معها سياسياً من تحويل الحرب إلى وسيلة لاستعادة السلطة؟
إذا كان الجواب نعم، فإن قطر يمكن أن تكون جزءاً من الحل.أما إذا بقيت العلاقات السياسية والنفوذ القديم أهم من الضغط من أجل تسوية شاملة، فقد يصبح الدور الخارجي، ولو بصورة غير مباشرة، جزءاً من البيئة التي تسمح باستمرار الحرب.وفي النهاية، فإن السلام السوداني لن يتحقق بتغيير طرف خارجي بآخر، ولا بإعادة إنتاج صفقات النخب التي عرفها السودان سابقاً. الطريق الحقيقي يبدأ عندما تصبح وحدة السودان، وإنهاء الحرب، ومنع عودة الحكم العسكري أو الأيديولوجي عبر بوابة الحرب، هي المعيار الوحيد لأي تدخل خارجي.




