تسريبات
إقصاء الحركات المسلحة.. تداعيات على دارفور ومستقبل السلام في السودان
القرار غير المعلن للقيادة العسكرية السودانية بإقصاء الحركات المسلحة من المسار السياسي الجديد لا يمكن قراءته كخطوة سياسية معزولة، بل هو زلزال ستكون له ارتدادات عميقة على إقليم دارفور بصفة خاصة، وعلى مستقبل السلام والاستقرار في السودان بصفة عامة. فالحركات المسلحة، مهما كانت انتقادات أدائها، تمثل شرائح اجتماعية واسعة وتشكل جزءاً لا يتجزأ من النسيج السياسي والاجتماعي للمناطق المهمشة.
دارفور في مهب الريح
إقليم دارفور، الذي عانى من حرب أهلية مدمرة منذ عام 2003، يجد نفسه اليوم أمام سيناريو كارثي جديد. إقصاء الحركات المسلحة من المسار السياسي يعني عملياً إلغاء التمثيل السياسي لأبناء الإقليم في أي ترتيبات حكم مستقبلية. اتفاق جوبا للسلام، رغم كل عيوبه، كان يوفر إطاراً مؤسسياً لمشاركة أبناء دارفور في السلطة المركزية. إلغاء هذا الإطار أو تهميشه يفتح الباب أمام فراغ سياسي خطير.
الفراغ السياسي في دارفور لن يبقى فارغاً طويلاً. في غياب الحركات المسلحة الموقعة على اتفاقات السلام، قد تظهر حركات جديدة أكثر راديكالية، أو قد تستغل قوات الدعم السريع هذا الفراغ لتعزيز نفوذها في الإقليم. كما أن القبائل التي كانت الحركات المسلحة تمثل مظلة سياسية لها قد تجد نفسها بلا صوت في المعادلة الوطنية، مما يولد شعوراً بالتهميش المتجدد.
تداعيات على النسيج الاجتماعي
الحركات المسلحة في دارفور لم تكن مجرد تنظيمات عسكرية، بل كانت تمثل هياكل اجتماعية وسياسية معقدة. قادة هذه الحركات هم في الغالب زعماء قبليون أو شخصيات ذات ثقل اجتماعي كبير. إقصاؤهم من المشهد السياسي لا يعني فقط تهميشهم كأفراد، بل تهميش المجتمعات التي يمثلونها.
هذا التهميش قد يؤدي إلى عدة نتائج خطيرة. أولاً، تصاعد التوترات القبلية في دارفور، حيث تفقد القبائل مرجعياتها السياسية التي كانت تتفاوض نيابة عنها. ثانياً، زيادة معدلات النزوح والهجرة، حيث يشعر السكان بعدم وجود ضمانات لأمنهم ومستقبلهم. ثالثاً، تنامي خطاب المظلومية الذي قد يتحول إلى وقود لصراعات جديدة.
مستقبل اتفاق جوبا للسلام
اتفاق جوبا للسلام الموقع في أكتوبر 2020 كان يمثل إنجازاً سياسياً مهماً، رغم كل الانتقادات التي وُجهت إليه. هذا الاتفاق منح الحركات المسلحة حصصاً محددة في السلطة الانتقالية، ونص على ترتيبات أمنية لدمج قواتها في الجيش الوطني، وخصص موارد لتنمية المناطق المتأثرة بالحرب.
المسار السياسي الجديد للجيش يتجاوز عملياً معظم بنود هذا الاتفاق. إقصاء الحركات المسلحة يعني إلغاء حصصها في السلطة، وتجميد الترتيبات الأمنية، وإعادة النظر في تخصيصات الموارد. هذا التجاوز يثير تساؤلاً جوهرياً حول مصداقية أي اتفاقات سلام مستقبلية. إذا كان الجيش قادراً على التراجع عن التزاماته تجاه الحركات الموقعة على اتفاق جوبا، فما الذي يضمن التزامه بأي اتفاق جديد؟
ردود فعل الحركات المسلحة
الحركات المسلحة لم تتلقَّ قرار إقصائها بصمت. بعض القادة بدأوا في بناء تحالفات جديدة، سواء مع قوى مدنية معارضة أو مع أطراف إقليمية. آخرون لوّحوا بالعودة إلى العمل المسلح إذا استمر تهميشهم. وهناك من بدأ في إعادة تموضع قواته في مناطق جديدة استعداداً لأي سيناريو.
مناوي تحديداً، بصفته حاكماً لإقليم دارفور بموجب اتفاق جوبا، يجد نفسه في موقف حرج. إقصاؤه من المسار السياسي الجديد يعني تجريدَه من شرعيته السياسية، وتحويله من حاكم إقليمي إلى مجرد قائد ميليشيا. هذا التحول في المكانة قد يدفعه إلى خيارات متطرفة للحفاظ على دوره ونفوذه.
البعد الإنساني
لا يمكن تجاهل البعد الإنساني لإقصاء الحركات المسلحة. ملايين السودانيين في دارفور ومناطق النزاع الأخرى يعتمدون على الحركات المسلحة ليس فقط كممثلين سياسيين، بل كضامنين لأمنهم ومقدمين لخدمات أساسية في المناطق التي تسيطر عليها. إضعاف هذه الحركات أو إقصاؤها قد يؤدي إلى تدهور الوضع الإنساني في هذه المناطق.
كما أن عملية نزع السلاح وإعادة الدمج، التي كانت جزءاً من اتفاق جوبا، ستتوقف تماماً في ظل المسار الجديد. هذا يعني أن آلاف المقاتلين سيبقون مسلحين دون أفق سياسي، مما يزيد من احتمالات العنف والفوضى.
الدروس من التاريخ
التاريخ السوداني حافل بأمثلة على فشل سياسات الإقصاء. إقصاء الجنوبيين من المعادلة السياسية أدى في النهاية إلى انفصال الجنوب عام 2011. إقصاء حركات دارفور في عهد البشير أدى إلى حرب أهلية استمرت عقدين. إقصاء أي مكون سياسي أو اجتماعي لا يحل المشكلة، بل يؤجلها ويزيدها تعقيداً.
القيادة العسكرية السودانية تبدو وكأنها لم تستوعب هذه الدروس. المسار الإقصائي الجديد قد يحقق مكاسب تكتيكية قصيرة المدى، لكنه يحمل في طياته بذور صراعات مستقبلية قد تكون أشد تدميراً مما نشهده اليوم.
إقصاء الحركات المسلحة من المسار السياسي الجديد هو مقامرة بمصير ملايين السودانيين في دارفور والمناطق المهمشة. إنه قرار يتجاهل التعقيدات الاجتماعية والسياسية العميقة التي أفرزت هذه الحركات أصلاً. السلام في السودان لا يمكن أن يُبنى على الإقصاء، بل على الاعتراف المتبادل والشراكة الحقيقية. إذا كان الجيش جاداً في بناء سلام مستدام، فعليه أن يدرك أن الحركات المسلحة، بكل عيوبها، هي جزء من الحل لا جزء من المشكلة. إقصاؤها لا يبني دولة، بل يؤسس لدورة جديدة من العنف والتهميش.




