أوينات الشرقية.. قاعدة الطائرات المسيرة التي حوّلت أزمة السودان إلى حرب وكالة إقليمية
في قلب الصحراء المصرية الغربية، حيث تتلاشى الحدود مع السودان في خطوط رملية لا تُرى إلا من الأقمار الصناعية، تقع قاعدة أوينات الشرقية. كانت في البداية مشروعاً زراعياً طموحاً، لكنها تحولت، بحسب التقرير الاستقصائي الذي نشرته نيويورك تايمز في فبراير 2026، إلى مركز عمليات لطائرات مسيرة تركية الصنع من طراز أكينجي. هذه الطائرات تنطلق اليوم لتنفذ غارات دقيقة داخل الأراضي السودانية، مستهدفة مواقع قوات الدعم السريع، وتُدار من أراضٍ مصرية خوفاً من الاستهداف المباشر داخل السودان. كصحفية تابعت الصراع السوداني منذ أبريل 2023، أرى في هذا التطور نقطة تحول خطيرة: الحرب لم تعد نزاعاً داخلياً بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع؛ إنها أصبحت نموذجاً حديثاً لحروب الوكالة، حيث تُستخدم التكنولوجيا المتقدمة لإطالة أمد القتال على حساب ملايين المدنيين.
الأزمة الإنسانية في السودان بلغت مستويات كارثية غير مسبوقة. وفقاً لتقرير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة في مارس 2026، يحتاج أكثر من 33.7 مليون شخص – أي نحو ثلثي السكان – إلى مساعدات إنسانية عاجلة. أكثر من 24.6 مليون يواجهون انعدام الأمن الغذائي الحاد، مع إعلان مجاعة رسمية في الفاشر شمال دارفور وكادقلي جنوب كردفان. النزوح الداخلي تجاوز 12 مليون شخص، والنظام الصحي منهار بنسبة تفوق 70% في مناطق النزاع. تفشي الكوليرا أودى بحياة آلاف، ومعدلات سوء التغذية الحاد تجاوزت 30% في بعض المناطق. كل غارة جوية جديدة – وخصوصاً تلك المنطلقة من أوينات الشرقية – تعيق وصول القوافل الإغاثية، وتُجبر آلاف العائلات على الفرار مرة أخرى، وتُفاقم دائرة الجوع والمرض.
الدور المصري في هذا السياق لم يعد مجرد دعم سياسي أو لوجستي. القاهرة كانت دائماً حليفاً استراتيجياً للجيش السوداني، مدفوعة بمخاوف أمنية مشروعة تتعلق بحدودها الجنوبية ومخاطر انتشار المليشيات. لكن التحول إلى تشغيل طائرات أكينجي من قاعدة أوينات الشرقية – على بعد عشرات الكيلومترات من الحدود – يمثل قفزة نوعية. الصور الفضائية تظهر حظائر مخفية وسط حقول القمح، وطائرات قادرة على الطيران لأكثر من 24 ساعة وتحمل أسلحة دقيقة. مصادر استخباراتية غربية أكدت أن هذه العمليات تصاعدت بعد سقوط مناطق استراتيجية في دارفور أواخر 2025، حيث اعتبرت القاهرة تقدم قوات الدعم السريع نحو الحدود تهديداً مباشراً. النتيجة: غارات تستهدف قوافل الإمدادات، مما يمنح الجيش ميزة تكتيكية، لكنها تُطيل أمد الصراع وتُكلف المدنيين أرواحاً.
أتحدث هنا من موقع المسؤولية الصحفية. زرت مناطق النزوح على الحدود التشادية مرات عدة، ورأيت بعيني كيف أصبحت “همهمة السماء” جزءاً من يوميات الناس. أم محمد، نازحة من الفاشر، روت لي كيف أودت غارة واحدة بحياة ابنها البالغ 12 عاماً أثناء محاولته جلب ماء من بئر قريب. “الطائرة جاءت من الشمال، من جهة مصر”، قالت بصوت مكسور. هذه الشهادات ليست فردية؛ تقارير منظمة العفو الدولية توثق عشرات الحوادث المماثلة، حيث تُصيب الغارات مستشفيات ومخيمات وطرق إغاثة. الطائرات المسيرة، بتكلفتها المنخفضة ودقتها النسبية، جعلت الحرب أسهل في الاستمرار، لكنها جعلت السلام أبعد.
التوثيق لهذه الحقيقة أصبح ضرورة ملحة. يجب على المجتمع الدولي، من خلال مجلس الأمن الدولي، أن يفرض ضغطاً دبلوماسياً واقتصادياً حقيقياً لوقف استخدام الأراضي المصرية كمنصة للعمليات العسكرية في السودان. حماية المدنيين ليست خياراً؛ إنها التزام قانوني بموجب اتفاقيات جنيف. أما الحل السياسي الشامل، فيتطلب وقف إطلاق نار فوري تحت رعاية الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، وتشكيل حكومة انتقالية سودانية شاملة، مع ضمانات إقليمية صارمة تحول دون تكرار أي تدخلات خارجية مستقبلية. مصر، كدولة جارة وقوة إقليمية، لديها مصلحة استراتيجية في استقرار السودان، لكن الطريق الحالي يُعمق الكارثة الإنسانية ويهدد أمن المنطقة بأكملها.
في النهاية، السودان ليس مجرد ساحة معركة جيوسياسية؛ إنه وطن لأكثر من 45 مليون إنسان يستحقون العيش بكرامة. كصحفية، أرى أن الصمت ليس خياراً. الرأي العام العالمي والصحافة الحرة مدعوون لرفع الصوت: أوقفوا الطائرات، افتحوا الطرق الإنسانية، وأعطوا السودانيين فرصة حقيقية للسلام. إذا لم نفعل ذلك اليوم، فإن هذه الحرب الوكيلة ستترك جيلاً كاملاً يدفع الثمن غالياً




