أسماء من السودان إلى لندن: قصة إصرار ومحاماة تتحدى الصعاب
مع اندلاع الحرب في السودان، وجدت أسماء نفسها مضطرة إلى مغادرة وطنها واللجوء إلى مصر برفقة أفراد أسرتها بحثاً عن الأمان. تركت خلفها بداياتها المهنية كمحامية، لكنها تمسكت بشغفها بالقانون رغم الظروف القاسية. واليوم، وبعد سنوات من التحديات، تعمل في شركة محاماة عالمية بالمملكة المتحدة كمساعدة قانونية في وحدة قبول الأعمال، لتفتح أمامها مساراً جديداً في حياتها المهنية والإنسانية.
القصة في السودان
عاشت أسماء تجربة النزوح مع أربعة من أفراد أسرتها بعد اشتداد القتال، ورغم حصولها على شهادة في القانون وسنة من الخبرة العملية، اصطدمت بواقع سوق العمل الصعب في مصر. تقول إن العثور على وظيفة كان شبه مستحيل، إذ تطلبت معظم الفرص الانتقال إلى القاهرة والعيش بلا دخل لشهرين، بينما اتجه كثيرون إلى الخليج حيث كانت الموارد اللازمة غير متاحة لها. عملت عن بُعد مع مكتب أعمال ومكتب محاماة صغير في السودان، ثم واصلت التعاون مع الحاضنة لخمسة أشهر أخرى في مصر، قبل أن تفقد عملها وتدخل في فترة طويلة من محاولات التقديم على وظائف وبرامج ماجستير امتدت 18 شهراً، تراجع خلالها الأمل تدريجياً.
فرصة جديدة
في مايو 2023، وبعد أسابيع من وصولها إلى مصر، صادفت أسماء إعلاناً لمنظمة TBB على منصة لينكدإن، وسجلت في دليل المواهب رغم شكوكها الأولى. تقول إنها اعتقدت أن الأمر مبالغ فيه، لكن ما طمأنها هو أن المنظمة لم تطلب أي رسوم، على عكس ما سمعته عن وكالات أخرى. لم تنجح محاولتها الأولى في أكتوبر 2023، لكنها فتحت أمامها باباً جديداً مع شركة محاماة عالمية في المملكة المتحدة. بدأت العملية في ديسمبر 2023، وبعد ثمانية أشهر فقط حصلت على عرض عمل، وخلال إجراءات الهجرة تلقت دعماً من يحيى، وهو خريج من برنامج TBB يعمل حالياً في شركة “فيالتو بارتنرز” في أيرلندا الشمالية.

خبرة مؤثرة
لعبت خبرة أسماء السابقة في السودان دوراً محورياً في مسيرتها، إذ كانت المسؤولة الوحيدة عن الجوانب القانونية في شركة ناشئة صغيرة، ما أكسبها قدرة كبيرة على تحمل المسؤولية والعمل باستقلالية. توضح أن تلك التجربة أهلتها لوظيفتها الحالية، مشيرة إلى أن الفرق الوحيد هو طبيعة العملاء، حيث تتعامل الآن مع مؤسسات كبرى ومسائل امتثال معقدة في إطار مكافحة غسل الأموال. العمل في شركة تضم أكثر من 60 مكتباً حول العالم فتح أمامها أبواباً واسعة للاطلاع على ممارسات قانونية دولية كانت تبدو بعيدة المنال قبل وقت قصير فقط.
حياة جديدة
وصلت أسماء إلى بريطانيا في سبتمبر 2024 لتبدأ مرحلة جديدة مليئة بالتحديات. تقول إن الانتقال من حياة هادئة في وطنها إلى إيقاع الحياة اليومية في بريطانيا كان مرهقاً في البداية. ورغم أزمة السكن الخانقة في لندن، نجحت في العثور على شقة خلال شهر واحد، مما ساعدها على الاستقرار والاندماج. لم تتوقف مسيرتها عند عملها فحسب، بل شاركت في جهود المناصرة الداعمة لحركة العمالة للاجئين، حيث حضرت ورشة عمل مراجعة برنامج الكفالة المجتمعية في وزارة الداخلية في أبريل 2025، كما التقت بالمديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة، آمي بوب، في يوليو، لتساهم بصوتها وتجربتها في نقاشات تهدف إلى توسيع مسارات الفرص أمام المهنيين النازحين.
وجهت أسماء نصيحة للخريجين والمهنيين النازحين، مؤكدة أنها تتفهم الشكوك التي قد تراودهم لأنها مرت بها شخصياً، لكنها شددت على أن التجارب الواقعية تثبت أن منظمات مثل TBB تقدم دعماً حقيقياً، لا تضمن النتائج لكنها تمنح فرصة عادلة قد تغير حياة الفرد. أما أرباب العمل، فقالت لهم إن النظر إلى القصص الناجحة يوضح أن توظيف الكفاءات النازحة لا يغير حياة الفرد فقط، بل يساهم في تغيير الصورة النمطية ويعزز المجتمعات بقوى عاملة موهوبة تحتاج فقط إلى فرصة لإثبات نفسها.





