تحقيقات

أخونة الجيش في السودان.. ندوة تكشف تفاصيل صادمة


ورم الإخوان المستشري بجسد جيش السودان لم يكن وليد اللحظة، بل تشكّل على مر الزمن عبر زرع رؤية متطرفة تكرس نظرية مشروع الجماعة.

رؤية أيديولوجية تقدم مفهوما ملغوما للمؤسسة العسكرية في السودان، وتفسر الوضع الراهن الذي بات عليه الجيش، وتقدم تحليلا عميقا للواقع بناء على عناصر مترابطة تقدم السبب ونتيجته.

هذا ما كشفته ندوة قدمها عن بعد، طارق الهادي كجاب، الضابط الإخواني السوداني، قبل عامين، أي في خضم الحرب المستعرة بين الجيش وقوات «الدعم السريع».

وفي أخطر ندوة له، قدم العميد بالجيش السوداني رؤية المشروع الإخواني لمفهوم “الجيش في السودان”، مستنداً إلى مرجعية دينية أيديولوجية تتماشى مع فكر الجماعة، وتتناقض مع أسس الدولة الحديثة.

وهذه الرؤية رسمها عراب مشروع الإخوان في السودان الراحل حسن عبدالله الترابي.

وفي ندوته، حرض كجاب على ذبح وقتل من وصفهم بـ«المتعاونين» في محاكمات ميدانية، وهو ما انعكس لاحقا في مجازر وإبادات جماعية عرقية في ولاية الجزيرة وقرى الكنابي، ارتكبها الجيش السوداني ولواء «البراء بن مالك» والكتائب العقائدية والقبلية.

ويقدم «المجلس السياسي» تحليلا لخطاب كجاب خلال الندوة التي تكشف عقلية وعقيدة الجيش والإخوان، كأحد أبرز وجوه الإخوان العسكريين في الحرب بالسودان، الذي أعلن تأييده لإيران، وانخرط مؤخراً في التحريض على الاعتداء على دول الخليج وضرب إيران لمحطات الكهرباء والمياه.

تقويض مفهوم “الجيش النظامي” 

وفق المصدر ذاته، يزعم الكجاب أن مفهوم “الجيش” كمنظمة احترافية برواتب وتفرغ هو مفهوم “خاطئ”، ويدعي أن الأصل في الإسلام هو الاستنفار الكامل لكل من يستطيع حمل السلاح.

وهذا يتناقض مع مفهوم الدولة الحديثة التي تقوم على مبدأ “احترافية القوات المسلحة” واحتكار العنف وحصره في يد الدولة فقط.

ويدعو كجاب أيضا لتحويل المجتمع كله إلى مقاتلين بما يلغي الفوارق بين المدني والعسكري، مما يؤدي إلى “عسكرة المجتمع” وفوضى السلاح.

“الجهاد” كـ”فرض عين” فردي 

يشدد كجاب على أن القتال “خاصة قتال الدفع” هو فرض عين على كل فرد (رجل، وامرأة، وطفل، وشيخ). ويؤكد أن المسؤولية فردية أمام الله، حيث لن يقبل الله عذر المواطن بأن “الجيش لم يدافع عنه”.

وهذا يتناقض مع مفهوم الدولة الحديثة، والعقد الاجتماعي الحديث، فالمواطن يدفع الضرائب مقابل الحماية والأمن التي توفرها الدولة عبر جيشها.

وينقل كجاب العبء الأخلاقي والقانوني من “تقصير المؤسسة العسكرية” إلى “تقصير المواطن الفرد” في حماية نفسه.

ويبرر مشاركة الأطفال في القتال من خلال نزع الصفة “المؤسسية” عن الجيش وإعادتها إلى مفهوم “الجهاد” كفريضة دينية فردية، مستندا إلى حجج دينية.

ويتصادم كجاب بشكل مباشر مع القانون الدولي الإنساني واتفاقيات حقوق الإنسان التي تجرم تجنيد الأطفال وتعتبرهم فئة محمية يجب إبعادها عن النزاعات المسلحة. 

تكفير وتخوين “المتعاونين” 

يستشهد العميد كجاب بواقعة “بني قريظة” ليشرعن القتل الجماعي لمن يصفهم بـ”المتعاونين” مع العدو، مطالباً بـ”ذبح كل ذكر بالغ”، ومصادرة الأموال وسبي النساء والأطفال.

بل ذهب إلى أبعد من ذلك بمطالبة الفرد بقتل أخيه إذا كان “شقياً” أو متعاوناً. وهذا يتناقض مع مفهوم الدولة الحديثة، كون هذا الخطاب يحرض على “الحرب الأهلية” والقتل خارج إطار القانون. الدولة الحديثة تلتزم بسيادة القانون والمحاكمات العادلة، بينما خطابه يعيد إنتاج مفاهيم “التصفيات الميدانية” بناءً على تأويلات دينية تاريخية.

الرؤية الكونية للصراع  

يصور كجاب الحرب الحالية كـ”ابتلاء من الله” لتحقيق وعده بتمييز “المجاهدين والصابرين”، متوعدا بأن الدور سيأتي على كل الدول العربية والإسلامية، لأن الله “حلف” بذلك، بدلاً من تحليل الحرب كأزمة سياسية أو أمنية تتطلب حلولاً استراتيجية، يحولها إلى “قدر إلهي” وحتمية دينية، مما يغلق الباب أمام أي تسويات سياسية أو دبلوماسية، وهي الأدوات الأساسية في إدارة الدولة الحديثة.

ويمثل خطاب كجاب ارتداداً عن مفهوم “القومية العسكرية”، إلى “الأيديولوجيا الدينية المتطرفة”، فهو يسعى لتبرير عجز المؤسسة العسكرية عن حماية المدنيين (كما في أحداث ولاية الجزيرة) عبر تحويل اللوم إلى المواطنين.

وأيضا عبر تصوير الحرب كمعركة دينية وجودية تتطلب تفتيت بنية الدولة لصالح كتائب “الإخوان “، ذات الطابع العقائدي، تحت غطاء الاستنفار والتعبئة، وفق المصدر نفسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى