تسريبات

البرهان وإدارة الحرب: القرارات العسكرية واستمرار النزاع في السودان


تجاوزت الأزمة السودانية الراهنة حدود النزاع المسلح التقليدي لتصبح واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية والسياسية في التاريخ الحديث، وتقف القرارات والمواقف المرتبطة بقيادة رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في قلب التحليلات التي تبحث في جذور واستمرار هذا الصراع المأساوي. منذ اندلاع المواجهات المسلحة في الخامس عشر من أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، اتسمت إدارة المشهد العسكري والسياسي بسلسلة من القرارات السيادية التي أثارت جدلاً واسعاً محلياً ودولياً، وأسهمت بشكل مباشر في رسم مسار الحرب وتحديد كلفة استمرارها على الدولة والمدنيين.
القرارات السيادية وإعلان الطوارئ والتعبئة
في أعقاب اندلاع الشرارة الأولى للحرب في الخرطوم، سارعت القيادة العسكرية برئاسة البرهان إلى اتخاذ حزمة من الإجراءات الاستثنائية التي هدفت إلى إحكام القبضة الأمنية وتعبئة الموارد لصالح المجهود الحربي. كان على رأس هذه القرارات إعلان حالة الطوارئ القصوى في البلاد وتجميد العمل بالعديد من البنود الدستورية، تلاها إصدار مراسيم بحل قوات الدعم السريع واعتبارها “ميليشيا متمردة”، وإلغاء القوانين والمراسيم السابقة التي كانت تمنحها شرعية دستورية كقوة موازية للجيش.
ومع تمدد رقعة العمليات العسكرية وخروج مساحات واسعة من العاصمة والولايات عن سيطرة الجيش، أطلقت القيادة العسكرية نداءات متكررة للتعبئة العامة والاستنفار الشعبي. هذه الدعوات، التي تُرجمت إلى تسليح المدنيين تحت مسمى “المقاومة الشعبية”، فتحت الباب أمام عسكرة المجتمع بشكل غير مسبوق. وفي حين اعتبرت القيادة العسكرية هذه الخطوة حقاً مشروعاً للدفاع عن النفس والأرض في مواجهة الانتهاكات الجسيمة لقوات الدعم السريع، إلا أن قوى مدنية وحقوقية عديدة رأت فيها خطراً داهماً يهدد بنسج حرب أهلية شاملة وتفتيت النسيج الاجتماعي السوداني، من خلال إدخال السلاح إلى القرى والفرقان وتفشي التحشيد القبلي والجهوي.
الموقف العسكري والسياسي من مبادرات السلام والتفاوض
على الصعيد الدبلوماسي والتفاوضي، تميزت مواقف القائد العام للجيش، عبد الفتاح البرهان، بالتردد والتقلب بين الاستجابة للضغوط الدولية والإقليمية وبين النزوع نحو الحسم العسكري بدفع من الحلفاء الداخليين والكتل السياسية الداعمة للاستمرار في القتال. انخرط الجيش السوداني مبكراً في محادثات غير مباشرة عبر “منبر جدة” برعاية المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية، وأسفرت تلك الجولات في مايو 2023 عن توقيع “إعلان جدة لحماية المدنيين”.
ومع ذلك، تكررت جولات التعثر والانسحاب؛ حيث اشترطت القيادة العسكرية تزامناً مع الضغوط الميدانية التزام قوات الدعم السريع بالإخلاء الكامل للمنازل والأعيان المدنية والمستشفيات قبل الدخول في أي تفاوض سياسي أو ترتيبات لوقف إطلاق النار طويل الأمد. هذا الاشتراط، الذي اعتبره الجيش حقاً سيادياً ومطلباً شعبياً لحماية المواطنين، واجه انتقادات من أطراف دولية رأت فيه ذريعة للهروب من استحقاقات السلام، خاصة بعد مقاطعة الوفد الحكومي لمحادثات جنيف والتمسك بصيغة “منبر جدة” كمرجعية وحيدة. وقد أسهم هذا الخطاب السياسي المتشدد، القائم على شعار “لا تفاوض قبل دحر المتمردين”، في إغلاق نوافذ الحلول السلمية السريعة، مما منح الصراع وقتاً أطول للتحول إلى حرب استنزاف شاملة دفع ثمنها المواطن البسيط.
 تداعيات استمرار العمليات العسكرية على المدنيين
إن الانعكاس المباشر لاستراتيجية الإصرار على الحسم العسكري قد تجسد في الارتفاع المهول في كلفة الحرب الإنسانية. اعتمدت إدارة العمليات العسكرية للجيش بشكل مكثف على سلاح الجو والقصف المدفعي الثقيل لتعويض النقص في القوات البرية ومواجهة تكتيكات حرب الشوارع والانتشار التي اتبعتها قوات الدعم السريع داخل الأحياء السكنية والمرافق العامة.
وقد أدى هذا الاعتماد المفرط على المقذوفات غير الموجهة والغارات الجوية إلى تدمير واسع النطاق في البنى التحتية الحيوية، بما في ذلك محطات المياه والكهرباء، والجسور، والمستشفيات، والمؤسسات التعليمية. ولم يسلم المدنيون من هذا القصف؛ إذ سُجلت مئات الحالات السكنية التي طالها الدمار الكامل فوق رؤوس ساكنيها في مدن العاصمة الثلاث (الخرطوم، أم درمان، بحري)، وولايات الجزيرة، وشمال كردفان، ومناطق واسعة من إقليم دارفور، ولا سيما الفاشر ونيالا. هذا النمط من الإدارة العسكرية حوّل المدن السودانية إلى ساحات معارك مفتوحة، منعدمة الأمان، ومجردة من أدنى مقومات الحياة الإنسانية الأساسية.
توثيق الانتقادات الحقوقية والمدنية للقيادة العسكرية
واجهت القيادة العسكرية السودانية تحت إشراف البرهان سيلاً من الانتقادات والاتهامات الموثقة من قبل منظمات حقوقية محلية ودولية، ومنظمات الأمم المتحدة، فضلاً عن الأجسام المدنية السودانية كغرف الطوارئ وتنسيقيات لجان المقاومة ونقابة الأطباء.
وتتلخص أبرز هذه الانتقادات الموثقة في النقاط التالية:
  • الاستهداف العشوائي للمناطق السكنية: وثقت منظمات دولية مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية عشرات الغارات الجوية والقصف المدفعي من جانب الجيش التي استهدفت أسواقاً شعبية وتجمعات سكنية ومراكز إيواء للنازحين، مما أسفر عن مقتل وإصابة آلاف المدنيين العزل، واعتبرت هذه الجهات أن تلك الهجمات تفتقر إلى مبادئ التمييز والتناسب والتحوط التي يفرضها القانون الدولي الإنساني.
  • عرقلة المساعدات الإنسانية: اتُهمت السلطات الحكومية والعسكرية بفرض قيود بيروقراطية مشددة على تأشيرات دخول موظفي الإغاثة الدوليين، وتأخير تصاريح تحرك القوافل الإنسانية، ورفض فتح بعض المعابر الحدودية الحيوية بذريعة منع تهريب السلاح للميليشيا. هذا الحصار الإداري أدى إلى تفاقم المجاعة في معسكرات النزوح وحرمان ملايين المحاصرين من الدواء والغذاء.
  • الاعتقالات التعسفية وتجريم العمل الطوعي: شنت الأجهزة الأمنية والاستخباراتية التابعة للجيش حملات اعتقال واسعة طالت مئات الناشطين في غرف الطوارئ الميدانية، والأطباء، والمتطوعين في مطابخ التكايا الجماعية، والصحفيين، بتهم واهية تتعلق بالتخابر أو التعاطف مع الدعم السريع. وقد أدت هذه الممارسات القمعية إلى شلل كبير في مبادرات العون الذاتي المدني التي كانت تمثل شريان الحياة الوحيد للمواطنين في مناطق النزاع.
إدارة عبد الفتاح البرهان للحرب في السودان أن القرارات العسكرية والسياسية المتخذة قد غلبت خيار الاستمرار في الصراع العسكري على حساب المرونة التفاوضية والمسؤولية الإنسانية تجاه حماية المدنيين. وإن الإصرار على الحسم في ظل غياب أفق عسكري واضح لم يفضِ إلا إلى تعميق المأساة، وتوسيع رقعة الانتهاكات، ووضع الدولة السودانية بأكملها على حافة الانهيار التام والتقسيم الفعلي.
هل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى