تسريبات

حرب تتجاوز حدود السودان


لم تعد الحرب السودانية التي اندلعت في أبريل/نيسان 2023 مجرد مواجهة داخلية بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. فمع مرور أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع القتال، تحول السودان إلى ساحة تتقاطع فيها حسابات أمنية وسياسية وعسكرية إقليمية، وأصبح الدعم الخارجي أحد العوامل التي ساهمت في تغيير طبيعة الحرب وإطالة أمدها.

فالصراع الذي بدأ نتيجة الخلاف حول مستقبل السلطة وترتيبات دمج قوات الدعم السريع داخل الجيش، سرعان ما اتخذ أبعاداً أكبر. ومع اتساع رقعة القتال، بدأت أطراف إقليمية في تعزيز علاقاتها بأحد المعسكرين، سواء عبر الدعم السياسي أو العسكري أو اللوجستي أو التقني.وفي مقدمة هذه الأطراف تبرز مصر وتركيا، وإن اختلفت دوافع كل دولة وأدواتها.

وتشير تقارير حديثة إلى أن القوات المسلحة السودانية استفادت من دعم عسكري خارجي شمل الطائرات المسيّرة والتكنولوجيا العسكرية والتدريب، فيما أصبح الدعم الخارجي للطرفين عاملاً أساسياً في استمرار الحرب. وقد حذرت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة من أن الأسلحة والتكنولوجيا والمقاتلين القادمين من الخارج عززوا قدرة الطرفين على مواصلة القتال، وأتاحوا لهما تنفيذ ضربات بعيدة المدى ضد مناطق مدنية.

القاهرة ترى السودان أمناً قومياً

يصعب فهم الموقف المصري من الحرب السودانية من دون النظر إلى الجغرافيا.فالسودان دولة مجاورة لمصر، وتشترك معها في حدود طويلة، كما يرتبط البلدان بمصالح مباشرة في مياه النيل وأمن الحدود وحركة السكان والتجارة ومواجهة التهريب والجماعات المسلحة.لهذا تنظر القاهرة إلى ما يحدث في السودان باعتباره قضية أمن قومي وليست مجرد أزمة خارجية.

ومنذ بداية الحرب، أعلنت مصر دعمها لوحدة السودان وسيادته ومؤسسات الدولة، وخصوصاً القوات المسلحة السودانية. وتعتبر القاهرة أن تفكك المؤسسة العسكرية أو انهيار الدولة المركزية قد يؤدي إلى سيناريو أكثر خطورة بالنسبة إليها: سودان مجزأ، ومناطق نفوذ متصارعة، وحدود مفتوحة أمام السلاح والجماعات المسلحة والهجرة غير النظامية.

لكن هذا التصور يطرح معضلة واضحة.فالدعم الذي يهدف من وجهة النظر المصرية إلى حماية الدولة السودانية قد يتحول، في ظروف الحرب الطويلة، إلى عامل يمنح أحد طرفي الصراع قدرة أكبر على الاستمرار عسكرياً.وهنا تبدأ المشكلة.

الدعم المصري يغير حسابات الجيش

لم يعد الدور المصري محل نقاش سياسي فقط.فقد أفادت تقارير وتحقيقات خلال عام 2026 بوجود تحول في طبيعة الانخراط المصري، خصوصاً بعد ظهور طائرات مسيّرة تركية متقدمة في قاعدة شرق العوينات بالقرب من الحدود السودانية. وذكرت رويترز أن صور الأقمار الصناعية أظهرت وجود طائرات «بيرقدار أقنجي» في القاعدة، وسط مؤشرات على استخدام هذه القدرات في الحرب السودانية.

وتشير تحليلات أخرى إلى أن مصر قدمت للقوات المسلحة السودانية أشكالاً مختلفة من الدعم، بينما أصبحت الحدود المصرية منصة مهمة في عمليات الإمداد والحركة العسكرية.

ولا يعني ذلك أن مصر وحدها هي التي صنعت التفوق العسكري للجيش السوداني، فهناك عوامل داخلية وخارجية أخرى كثيرة. لكن أهمية الدعم المصري تكمن في أنه يمنح الجيش عمقاً جغرافياً وسياسياً واستراتيجياً.

فكلما شعر طرف بأنه يستطيع الحصول على السلاح والتكنولوجيا والدعم من الخارج، يصبح أقل اضطراراً إلى تقديم تنازلات على طاولة المفاوضات.وهذه هي النقطة الأساسية في مسألة إطالة الحرب.

تركيا تدخل من بوابة التكنولوجيا

إذا كانت مصر تتحرك أساساً من منطلق الأمن القومي والجغرافيا، فإن تركيا تنظر إلى السودان من زاوية أوسع.

أنقرة وسعت خلال السنوات الماضية حضورها في أفريقيا، وأقامت علاقات سياسية واقتصادية وعسكرية مع عدد من دول القارة. والسودان يحتل موقعاً مهماً في هذه الاستراتيجية بسبب موقعه على البحر الأحمر، وموارده الطبيعية، واتصاله بالقرن الأفريقي.لكن الدور التركي في الحرب اكتسب أهمية خاصة بسبب الطائرات المسيّرة.

فقد أصبحت الطائرات التركية جزءاً من منظومة الحرب الحديثة التي يعتمد عليها الجيش السوداني. وتشير تقارير بحثية إلى وصول طائرات مسيّرة تركية إلى القوات المسلحة السودانية عبر قنوات مرتبطة بمصر، في وقت أصبحت فيه المسيّرات من أكثر الأسلحة تأثيراً في مسار المعارك.

وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد شراء أسلحة.الطائرة المسيّرة الحديثة تحتاج إلى تدريب وصيانة واتصالات وذخائر وقدرات تقنية. وبالتالي فإن انتقال التكنولوجيا العسكرية إلى ساحة الصراع يعني انتقال منظومة كاملة من القدرات.

تقارب القاهرة وأنقرة

المفارقة الأبرز أن السودان أصبح نقطة تقاطع بين مصر وتركيا، رغم أن العلاقات بين البلدين شهدت سنوات طويلة من التوتر السياسي.لكن المصالح الاستراتيجية يمكن أن تتغير عندما تتغير الظروف.

وفي السنوات الأخيرة شهدت العلاقات المصرية ـ التركية تقارباً سياسياً، وظهر السودان كأحد الملفات التي تتقاطع فيها حسابات الطرفين.وتشير دراسة حديثة إلى أن الحرب السودانية خلقت نوعاً من التقارب غير المعلن بين القاهرة وأنقرة، بحيث توفر مصر الجغرافيا والبنية التحتية، بينما توفر تركيا التكنولوجيا العسكرية، وخصوصاً الطائرات المسيّرة.

وإذا صحت هذه المعطيات، فإن الحرب السودانية أصبحت مجالاً لتعاون غير مباشر بين قوتين إقليميتين تمتلكان مصالح مختلفة لكنهما تلتقيان في دعم القوات المسلحة السودانية.وهذا التطور يرفع مستوى الصراع.

المسيّرات تعيد رسم المعركة

قبل سنوات، كان الحسم العسكري يتطلب أعداداً كبيرة من الجنود والمدفعية والطائرات المقاتلة.أما اليوم، فقد أصبحت الطائرات المسيّرة قادرة على تغيير المعادلة بسرعة.

فهي تسمح للطرف الذي يمتلكها باستهداف مواقع بعيدة، ومراقبة التحركات، وضرب خطوط الإمداد، وتنفيذ عمليات دون المخاطرة بعدد كبير من الجنود.وقد أظهرت الحرب السودانية هذه الحقيقة بوضوح.

ففي سبتمبر/أيلول 2026، قالت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة إن أكثر من ألف شخص قتلوا في هجمات بالطائرات المسيّرة خلال الأشهر الأولى من العام، مشيرة إلى أن الضربات طالت مستشفيات وأسواقاً ومدارس ومواقع للنازحين، واتهمت الطرفين بانتهاكات خطيرة قد ترقى في بعض الحالات إلى جرائم حرب.وبذلك أصبحت التكنولوجيا العسكرية الخارجية جزءاً من المأساة الإنسانية، وليس فقط من الحسابات العسكرية.

لماذا تطيل المساعدة الحرب؟

المعادلة بسيطة لكنها شديدة الخطورة.عندما يملك طرف من أطراف الحرب موارد محدودة، فإن الاستنزاف يدفعه تدريجياً نحو التفاوض.

أما عندما يستطيع تعويض خسائره بالسلاح والتمويل والتكنولوجيا الخارجية، فإن قدرته على مواصلة القتال ترتفع.وهذا ما حدث بدرجات مختلفة مع طرفي الحرب السودانية.فالدعم الخارجي لا يؤدي بالضرورة إلى انتصار سريع لأي طرف، لكنه قد يمنع الهزيمة.

والنتيجة هي حرب طويلة لا يستطيع أي طرف حسمها، ولا يملك في الوقت نفسه الحافز الكافي لإنهائها.

هذه الحالة هي الأخطر على المدنيين.فالحرب التي كان يمكن أن تنتهي بتسوية سياسية تتحول إلى حرب استنزاف مفتوحة، وتصبح كل جولة قتال فرصة لإعادة بناء القدرات والاستعداد لجولة جديدة.

مصر بين حماية الدولة وحسابات الحرب

الموقف المصري يحمل مفارقة استراتيجية.القاهرة تريد الحفاظ على وحدة السودان ومؤسساته، لكن استمرار الحرب يهدد بالضبط هذه الأهداف.

فكل شهر إضافي من القتال يعني تراجع مؤسسات الدولة، وتوسع الاقتصاد غير الرسمي، وازدياد نفوذ الجماعات المسلحة، وتراجع قدرة الحكومة على تقديم الخدمات.

وقد تصبح الدولة التي تريد القاهرة حمايتها أضعف بسبب استمرار الحرب نفسها.ومن هنا، فإن المصالح المصرية طويلة المدى قد تتطلب الانتقال من دعم القدرة العسكرية إلى استخدام النفوذ السياسي لدفع الجيش نحو تسوية تحفظ مؤسسات الدولة دون أن تجعل الحرب الخيار الوحيد.

تركيا أمام اختبار النفوذ

الأمر نفسه ينطبق على تركيا.فأنقرة تستطيع أن تحقق نفوذاً أكبر من خلال التعاون العسكري، لكنها تستطيع أيضاً أن تحقق نفوذاً أكثر استدامة إذا تحولت إلى وسيط قادر على تقريب وجهات النظر.

القوة الناعمة والاقتصاد والدبلوماسية يمكن أن تكون أدوات أكثر فعالية على المدى الطويل من السلاح.فالسودان بعد الحرب سيحتاج إلى إعادة بناء الطرق والموانئ والمطارات والزراعة والصناعة والخدمات.ومن يشارك في إعادة الإعمار سيملك نفوذاً أكبر من الذي شارك فقط في مرحلة القتال.

السلام يحتاج إلى تغيير الحسابات

المشكلة الأساسية ليست أن مصر أو تركيا لديهما مصالح في السودان.كل دولة لها مصالح، ومن الطبيعي أن تحاول حماية أمنها ونفوذها.المشكلة هي عندما تصبح هذه المصالح مرتبطة باستمرار الحرب.

فالطريق إلى السلام يبدأ عندما تصبح كلفة الحرب على الأطراف أكبر من مكاسبها.وهنا تستطيع القاهرة وأنقرة استخدام نفوذهما للضغط باتجاه وقف إطلاق النار، وليس فقط تعزيز القدرة العسكرية.كما أن أي تسوية مستدامة يجب أن تكون سودانية في جوهرها، لأن استمرار فرض الحلول من الخارج سيعيد إنتاج الأزمة بأشكال مختلفة.

السودان أولاً

في النهاية، لا يمكن تفسير الحرب السودانية كلها بالتدخل الخارجي.هناك أسباب سودانية عميقة تتعلق بفشل الانتقال السياسي، والصراع على السلطة، وطبيعة العلاقة بين الجيش والقوى المسلحة، والاقتصاد السياسي للدولة.لكن التدخل الخارجي جعل هذه الأزمة أكثر قدرة على الاستمرار.

فالسلاح الخارجي أطال قدرة الأطراف على القتال، والتكنولوجيا الجديدة رفعت حجم الدمار، والدعم السياسي منح المتحاربين مساحة أكبر للمناورة.ولهذا فإن الدور المصري والتركي يمكن أن يتحول من عامل في توازن الحرب إلى عامل في إنهائها، إذا انتقل من منطق تعزيز القدرة على القتال إلى منطق استخدام النفوذ لصناعة التسوية.

فإذا كان الهدف حماية السودان، فإن أفضل حماية له ليست أن ينتصر طرف على آخر بالسلاح، وإنما أن تنتهي الحرب قبل أن يتحول انتصار أي طرف إلى بداية حرب جديدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى