من الوثائق السرية إلى لاهاي.. هل يفتح «كيماوي السودان» طريقًا لمحاسبة قيادة الجيش؟
لم يعد الجدل حول استخدام الأسلحة الكيميائية في السودان يدور فقط حول وقوع هجمات يشتبه في أنها تمت بمواد سامة، بل بدأ يتحول إلى معركة سياسية وقانونية حول المسؤولية: من صنع؟ من أمر؟ من عرف؟ ومن يستطيع فتح تحقيق دولي مستقل يمكن أن ينتهي إلى محاسبة المسؤولين؟
هذا التحول جاء بعد نشر تحقيقات استندت إلى عشرات الوثائق والصور ومقاطع الفيديو والرسائل، قالت «نيويورك تايمز» إنها حصلت عليها من مصدر استخباراتي شرق أوسطي، وأشارت إلى وجود برنامج سري داخل الجيش السوداني لتطوير ذخائر قائمة على الكلور واختبارها وتخزينها.
وفي أعقاب هذه المعلومات، تحركت قوى مدنية سودانية باتجاه منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، بينما طالبت حكومة السلام التابعة لتحالف «تأسيس» الأمم المتحدة والمنظمة بفتح تحقيق عاجل ومستقل.
لكن الطريق من الكشف الصحفي إلى المحاسبة القضائية طويل ومعقد، خصوصًا في ظل حرب مفتوحة وتداخلات إقليمية ودولية وتنافس سياسي حول مستقبل السودان.
«صمود» ينقل الملف إلى لاهاي
يقول الدكتور بكري الجاك، المتحدث باسم التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود»، إن التحالف سبق أن تحرك في ملف الأسلحة الكيميائية، وإن وفدًا منه زار لاهاي والتقى مسؤولين في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وشرح موقف التحالف وطالب بتحريك الملف داخل المنظمة.
وبحسب الجاك، فإن «صمود» ينظر إلى القضية باعتبارها جزءًا من ملف الانتهاكات التي لا ينبغي أن تمر من دون مساءلة.
ولا يكتفي التحالف، وفق تصريحاته، بالضغط السياسي، بل يقول إنه يعتزم حمل الملف إلى مختلف الجهات الدولية والعدلية، بهدف الوصول إلى تحقيق يحدد المسؤوليات.
هذه الخطوة تضع المنظمة الدولية أمام اختبار حساس: هل يمكن تحويل الاتهامات والمواد الصحفية والمعلومات الاستخباراتية إلى مسار تحقيق فني رسمي؟
من يملك قرار فتح التحقيق؟
يشير الجاك إلى أن المعلومات المتاحة للتحالف تفيد بأن تحريك تحقيق داخل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية يحتاج إلى تحرك إحدى الدول الأعضاء في المجلس التنفيذي للمنظمة.
ويشير تحديدًا إلى الولايات المتحدة، باعتبارها عضوًا في المجلس، باعتبارها قادرة على الدفع باتجاه التحقيق.
لكن المسألة لا تتوقف عند تقديم طلب.
فالتحقيق الفني يحتاج إلى توافق سياسي داخل المؤسسات الدولية، ثم إلى قدرة فعلية على الوصول إلى المواقع والأدلة والشهود.
وفي حالة السودان، يمثل استمرار الحرب عائقًا رئيسيًا أمام أي مهمة ميدانية واسعة، خصوصًا في مناطق شهدت معارك متواصلة وتغيرًا في السيطرة العسكرية.
لماذا أصبح التوقيت مهمًا؟
يرى الجاك أن نشر التحقيقات المتعلقة بالبرنامج الكيميائي في «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» بالتزامن يحمل دلالة سياسية تتجاوز الكشف الإعلامي.
ويعتقد أن توقيت النشر قد يكون مرتبطًا بالتحركات داخل مجلس الأمن بشأن الحرب في السودان، وبمحاولات الضغط على الأطراف المتحاربة لدفعها نحو وقف إطلاق النار.
وبحسب قراءته، فإن الكشف عن معلومات تربط القيادة العسكرية ببرنامج الأسلحة الكيميائية قد يرفع الكلفة السياسية لأي دعم دولي للقوات المسلحة السودانية.
كما يرى أن ذلك قد يضع حلفاء الجيش، ومن بينهم الصين وروسيا، أمام خيارات سياسية أكثر تعقيدًا.
لكن هذه القراءة تبقى تقديرًا سياسيًا من الجاك، ولا تشكل في حد ذاتها دليلًا على وجود خطة دولية متكاملة وراء نشر المعلومات.
البرهان في قلب الأسئلة
أكثر جوانب الملف حساسية هو ما يتعلق بدور قائد الجيش عبد الفتاح البرهان.
وبحسب الجاك، فإن الرواية الأولية التي تداولها البعض كانت تحاول حصر المسؤولية في كتائب إسلامية تقاتل إلى جانب القوات المسلحة.
لكن الجاك يقول إن المواد التي نشرت لاحقًا، والتي تتضمن معلومات من هاتف البرهان والقيادة العامة، تشير، بحسب وصفه، إلى علم البرهان بالبرنامج وإلى تورطه في إعطاء معلومات وتوجيهات مرتبطة به.
وهنا يجب الفصل بين مستويين مختلفين:
الأول هو ما تقوله الوثائق والتحقيقات الصحفية حول وجود صلات بين القيادة العسكرية والبرنامج.
والثاني هو إثبات المسؤولية الجنائية الشخصية لقائد الجيش، وهو أمر يحتاج إلى أدلة يمكن التحقق منها وربطها مباشرة بقرارات وأوامر محددة.
فالوجود في دائرة المعرفة لا يعني تلقائيًا إثبات المسؤولية الجنائية، كما أن إصدار أمر محدد يحتاج إلى إثبات مصدره وسياقه والنتيجة التي ترتبت عليه.
الهاتف والرسائل.. من الدليل الرقمي إلى المحكمة
الاعتماد على الرسائل النصية والصوتية ومحتويات الهواتف يمكن أن يشكل جزءًا مهمًا من التحقيقات الحديثة، لكنه في الوقت نفسه يفرض تحديات تقنية كبيرة.
فأي محقق يحتاج إلى التأكد من مصدر البيانات، وسلامتها، وتسلسلها الزمني، وعدم التلاعب بها، وربطها بأجهزة وأشخاص وأحداث على الأرض.
كما يجب التأكد من أن الرسالة المنسوبة إلى شخص معين صدرت بالفعل عنه، وأن مضمونها لا يخرج عن سياقه.
ولهذا فإن وجود آلاف الرسائل لا يعني تلقائيًا وجود آلاف الأدلة الجنائية؛ القيمة القانونية تتحدد بقدرة المحققين على إثبات الأصالة والسياق والارتباط بالوقائع.
«تأسيس» يطالب بتحقيق عاجل
في الاتجاه نفسه، طالب خالد دناع، وزير الإعلام والمتحدث باسم حكومة السلام التابعة لتحالف «تأسيس»، الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية بفتح تحقيق دولي مستقل وعاجل.
ويرى دناع أن الأدلة الجديدة تجعل القضية تتجاوز الاتهامات السياسية، وتستوجب التحقق من المواد المنشورة ومصادرها وتحديد المسؤولين عن أي استخدام للأسلحة الكيميائية.
ويقول إن حكومة «تأسيس» سبق أن حذرت من استخدام الكلور، وربطت بينه وبين قصف مناطق في الخرطوم ومناطق أخرى من السودان.
كما دعا إلى ألا تكتفي المؤسسات الدولية بالتقارير الإعلامية، وإنما أن تعمل على التحقق منها عبر تحقيق فني مستقل.
وهذا المطلب يتقاطع مع دعوة «صمود»، رغم اختلاف الموقع السياسي للتحالفين.
من الخرطوم إلى دارفور وكردفان
تقول حكومة «تأسيس» إن دائرة الشبهات لا تقتصر على العاصمة.
ففي الخرطوم، تحدث دناع عن مناطق بينها محيط القصر الجمهوري، ومصفاة الجيلي، وحي صالحة في أم درمان، وقال إن بعضها شهد قصفًا يشتبه في ارتباطه باستخدام براميل محملة بالكلور خلال عام 2024.
وفي دارفور، أشار إلى شمال دارفور باعتباره إحدى المناطق التي تشتبه حكومته في تعرضها لاستخدام كيميائي خلال عام 2025.
أما في كردفان، فتحدث عن بلدات في شمال كردفان، بينها أم قرفة.
هذه المعلومات تقدم قائمة أولية بالمواقع التي يمكن أن تكون موضع تحقيق، لكنها لا تثبت بمفردها وقوع هجمات كيميائية.
الإثبات يحتاج إلى عينات ومخلفات ذخائر وتقارير طبية وبيئية وشهادات متعددة المصادر، وربط كل ذلك بالزمان والمكان.
المدنيون.. الحلقة الأكثر هشاشة
الخطر الأكبر في الملف لا يرتبط فقط بالمسؤولية السياسية.
فبحسب الروايات التي قدمها دناع، تحدث سكان عن اختناق وحروق وتشوهات جلدية وتورمات في الرقبة بعد بعض الهجمات.
ويقول الجاك من جانبه إنه لا يوجد حتى الآن تقييم فني شامل لحجم الأضرار قصيرة وبعيدة المدى، أو للتأثيرات المحتملة على الإنسان والحيوان والنبات والمياه والتربة.
وهذه الفجوة العلمية تجعل التحقيق أكثر من مجرد خطوة لمحاسبة المسؤولين.
إنه أيضًا محاولة لمعرفة حجم الضرر الذي قد يكون وقع بالفعل.
فحتى لو انتهت الحرب، فإن آثار بعض المواد الكيميائية لا تختفي بالضرورة بانتهاء القصف، وقد تستدعي فحوصًا بيئية وصحية طويلة الأمد.
لماذا تبدو المحاسبة صعبة؟
يرى الجاك أن الوصول إلى محاسبة فعلية سيواجه عقبات سياسية كبيرة.
فالحرب السودانية لم تعد صراعًا داخليًا خالصًا، بحسب وصفه، بل أصبحت مرتبطة بتدخلات إقليمية ودولية وحسابات تتجاوز حدود البلاد.
كما أن المجتمع الدولي يواجه ملفات أخرى تستهلك اهتمامه، من الحرب في أوكرانيا إلى التطورات في الشرق الأوسط.
ويعتقد الجاك أن الأولوية الدولية الحالية تظل الوصول إلى هدنة وإنهاء الحرب، وهو ما قد يدفع بعض الأطراف إلى التعامل مع ملف الانتهاكات باعتباره قضية يمكن تأجيلها إلى مرحلة لاحقة.
لكن بالنسبة إلى التحالف، فإن تأجيل الملف لا يعني التخلي عنه.
السلاح الكيميائي كورقة ضغط
يرى الجاك أن ملف الأسلحة الكيميائية قد يتحول إلى إحدى أدوات الضغط السياسي على القيادة العسكرية السودانية.
فالاتهام باستخدام أسلحة محظورة يمكن أن يرفع الكلفة الدبلوماسية والعسكرية لأي طرف تثبت مسؤوليته عنها.
كما أن ربط القيادة السياسية والعسكرية بالبرنامج، إذا أثبتته تحقيقات مستقلة، قد يجعل من الصعب تقديم الجيش باعتباره طرفًا أكثر انضباطًا من خصومه.
لكن هذه النقطة تبقى مرتبطة بنتائج التحقيق، لا بمجرد نشر الوثائق أو التصريحات السياسية.
«صمود» لا يدعي امتلاك تحقيق مستقل
من النقاط التي تمنح تصريحات الجاك قدرًا من الوضوح إقراره بأن «صمود» ليس جهة تحقيق دولية ولا منظمة حقوقية.
ويقول إن التحالف لا يمتلك لجنة قانونية متخصصة ترصد هذه الوقائع، وإن مهمته الأساسية سياسية تتمثل في إيقاف الحرب واستعادة المسار المدني الديمقراطي.
وبالتالي، فإن التحالف يعتمد على متابعة ما تنشره الجهات التي تقوم بالتحقيق والتوثيق، ثم يتحرك سياسيًا وقانونيًا على أساس تلك المعلومات.
وهذه نقطة مهمة في تقييم الملف، لأنها تفصل بين الجهة التي تجمع الأدلة والجهة التي تستخدمها في الضغط السياسي.
هل يصبح البرهان عبئًا على حلفائه؟
يرى الجاك أن تطور الملف قد يؤثر في مستقبل البرهان السياسي، معتبرًا أن استمرار الاتهامات المرتبطة بالأسلحة الكيميائية يمكن أن يرفع تكلفة دعمه إقليميًا ودوليًا.
ويذهب أبعد من ذلك حين يتوقع أن يصبح البرهان، إذا ثبتت المسؤوليات المنسوبة إليه، مصدر قلق لحلفائه وللمنطقة.
لكن هذه القراءة السياسية تبقى مرتبطة بما ستكشفه التحقيقات المقبلة.
فالمعيار الفاصل بين الاتهام والنتيجة هو الأدلة القابلة للتحقق.
الاختبار الحقيقي: هل تصل لاهاي إلى السودان؟
الآن تقف القضية أمام مفترق طرق.
هناك تحقيقات صحفية قدمت مجموعة كبيرة من المواد.
وهناك اتهامات أمريكية سابقة.
وهناك منظمة دولية تقول إن عدة دول طلبت منها توضيحات من السودان.
وهناك تحالفات مدنية سودانية تطالب بتحقيق مستقل.
وهناك حكومة «تأسيس» تقول إن لديها معلومات سابقة عن مواقع استخدم فيها الكلور.
لكن ما ينقص كل ذلك هو مهمة فنية مستقلة تستطيع الدخول إلى المواقع، وفحص العينات، والتحقق من الذخائر، والاستماع إلى الشهود، ومطابقة الأدلة الرقمية بالمعلومات الميدانية.
إذا تحقق ذلك، فقد ينتقل ملف الأسلحة الكيميائية في السودان من ساحة الاتهام السياسي إلى مسار قانوني أكثر جدية.
أما إذا بقيت الأدلة داخل التقارير والبيانات والتصريحات، فسيظل الملف سلاحًا سياسيًا في الحرب، من دون أن يصل بالضرورة إلى المحاكم.
من يملك الشجاعة لفتح الملف؟
القضية في النهاية لا تتعلق فقط بما إذا كانت ذخائر الكلور قد طورت أو استخدمت.
السؤال الأكبر هو ما إذا كان المجتمع الدولي مستعدًا لتحويل المعلومات المتاحة إلى تحقيق مستقل، رغم كلفة ذلك سياسيًا وأمنيًا.
فإذا ثبت وجود برنامج منظم للتصنيع والتطوير والتخزين والاستخدام، فإن المسؤولية لن تكون مجرد عنوان سياسي؛ بل ستصبح قضية تتطلب تحديد سلسلة القيادة والأوامر والجهات التي شاركت في التنفيذ.
وعندها، لن يكون السؤال: هل استخدم السلاح الكيميائي في السودان؟
بل سيصبح السؤال الأصعب:
من أعطى الأمر، ومن نفذه، ومن عرف به، ومن حاول إخفاء آثاره؟
وهنا تحديدًا تبدأ معركة المحاسبة الحقيقية.




