تسريبات

الأسلحة الكيميائية في السودان.. كيف بدأت الاتهامات وما الذي كشفته التحقيقات؟


دخل ملف الأسلحة الكيميائية في السودان مرحلة جديدة من الخطورة، بعدما انتقلت الاتهامات الموجهة إلى الجيش السوداني من نطاق التقارير المتفرقة والاتهامات المتبادلة بين أطراف الحرب إلى مستوى الإجراءات الرسمية الأميركية، ثم إلى تحقيقات صحفية دولية قدمت خلال عامي 2025 و2026 أدلة جديدة قالت إنها تعزز احتمال استخدام الجيش السوداني مواد كيميائية سامة كسلاح خلال الحرب المستمرة منذ أبريل 2023.

ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد اتهام سياسي عابر، فالسودان دولة طرف في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية منذ عام 1999، وهي الاتفاقية التي تحظر على الدول تطوير أو إنتاج أو تخزين أو استخدام الأسلحة الكيميائية. ولذلك فإن ثبوت استخدام هذه الأسلحة لا يمثل فقط انتهاكاً لقواعد الحرب، وإنما يفتح أيضاً ملف عدم امتثال دولة طرف لالتزاماتها الدولية.

من الاتهامات إلى الموقف الأميركي الرسمي

في 24 أبريل 2025، خلصت الولايات المتحدة رسمياً إلى أن الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية خلال عام 2024، واعتبرت واشنطن أن السودان لم يعد ممتثلاً لالتزاماته بموجب اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.

وأعلنت وزارة الخارجية الأميركية في مايو 2025 أن هذا التقييم استند إلى أحكام قانون أميركي يعود إلى عام 1991، يعرف باسم قانون السيطرة على الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والقضاء على الحرب، قبل أن تدخل العقوبات الأميركية حيز التنفيذ في يونيو من العام نفسه. وشملت الإجراءات قيوداً على بعض الصادرات الأميركية إلى السودان، إضافة إلى إجراءات مالية وتجارية أخرى.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأن واشنطن لم تكتفِ بوصف التقارير بأنها مثيرة للقلق، بل اتخذت موقفاً رسمياً يعتبر الحكومة السودانية مسؤولة عن استخدام أسلحة كيميائية في 2024.

لكن الولايات المتحدة لم تنشر في البداية جميع الأدلة التي بنت عليها استنتاجها، وهو ما فتح الباب أمام جدل واسع حول طبيعة المعلومات الاستخباراتية التي استند إليها القرار.

أين ظهرت المؤشرات الأولى؟

خلال الحرب السودانية، ظهرت تقارير عن احتمال استخدام مواد كيميائية في عدد من المناطق، إلا أن الاتهامات الأكثر تحديداً ارتبطت بأحداث وقعت في سبتمبر 2024 بالقرب من مصفاة الجيلي النفطية وقاعدة غاري العسكرية شمال الخرطوم.

وفي أكتوبر 2025، قالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن تحقيقاً أجرته شبكة France 24 قدم عناصر علنية قالت المنظمة إنها تساعد على دعم الاتهامات الأميركية، خصوصاً بشأن حادثتين في سبتمبر 2024.

وبحسب التحقيق الذي أشارت إليه المنظمة، جرى تحديد مواقع صور ومقاطع فيديو مرتبطة بالمنطقة، وظهرت في أحد المقاطع سحابة صفراء مائلة إلى الأخضر، وهي صورة قال خبراء إنها قد تتوافق مع خصائص غاز الكلور. لكن المنظمة نفسها تعاملت مع الأمر بوصفه مؤشرات وأدلة على احتمال الاستخدام، وليس حكماً قضائياً نهائياً.

وتزداد أهمية هذه النقطة لأن الكلور مادة صناعية شائعة الاستخدام في معالجة المياه، وبالتالي فإن مجرد العثور على الكلور في موقع عسكري لا يكفي وحده لإثبات استخدامه كسلاح. العنصر الحاسم هو إثبات طريقة الاستخدام والغرض والسياق والآثار التي تركها.

التحقيقات الجديدة تغير مستوى القضية

 

في سبتمبر 2026، ظهرت معلومات أكثر تفصيلاً عبر تحقيقين منفصلين نشرتهما واشنطن بوست ونيويورك تايمز.

وقالت واشنطن بوست إنها حصلت على مجموعة كبيرة من الوثائق ومقاطع الفيديو والرسائل والمواد الداخلية، وراجعتها مع أكثر من عشرين مسؤولاً وخبيراً في الاستخبارات والأسلحة الكيميائية وحقوق الإنسان. ووفق التحقيق، تشير المواد إلى وجود برنامج سري لتطوير ذخائر كيميائية تعتمد على الكلور، وإلى تجارب ميدانية وعمليات تصنيع وتخزين.

أما نيويورك تايمز فقالت إن ملفاً قدمته جهة استخباراتية شرق أوسطية تضمن صوراً ومقاطع فيديو ووثائق واتصالات اعترضت، وتحدث عن تطوير ذخائر تعتمد على الكلور خلال فترة امتدت عدة أشهر في 2024. وأضافت الصحيفة أن بعض المواد البصرية جرى اطلاع مسؤولين استخباراتيين أميركيين عليها خلال تقييمات أُجريت في 2025.

هذه المعطيات، إذا ثبتت صحتها بصورة مستقلة، تنقل القضية من مجرد الحديث عن استخدام مادة كيميائية في حادثة منفردة إلى احتمال وجود قدرة منظمة على تصنيع وتخزين واستخدام ذخائر كيميائية.

ماذا تقول الأدلة الجديدة؟

 

تحدثت واشنطن بوست عن وثائق تشير إلى ذخائر وصفت بأنها ذات تأثير مزدوج، تحتوي على مواد خانقة إلى جانب متفجرات، كما أشارت إلى رسائل تتحدث عن تجميع قنابل تحتوي على الكلور وتخزينها في منشآت عسكرية.

وقالت الصحيفة أيضاً إن بعض المقاطع تظهر تجارب في مناطق صحراوية، مع تصاعد سحب صفراء بعد سقوط الذخائر، وإن خبراء استُشيروا في التحقيق اعتبروا المشاهد متوافقة مع استخدام الكلور، مع التشديد على أن الصور وحدها لا تكفي لإثبات طبيعة المادة بشكل قاطع.

وهنا تكمن أهمية الأدلة الجنائية الكيميائية. فإثبات استخدام سلاح كيميائي يحتاج عادة إلى أكثر من صور أو شهادات؛ إذ يمكن أن تشمل الأدلة عينات بيئية، وبقايا ذخائر، وتحاليل طبية، وسلاسل حيازة للأدلة، ومعلومات حول طريقة التصنيع والتوزيع والاستخدام.

السودان يرفض الاتهامات

 

من الجانب السوداني، رفضت الحكومة والجيش الاتهامات الأميركية بشكل قاطع، واعتبرت الخرطوم أن واشنطن لم تقدم أدلة كافية لإثبات ادعاءاتها.

وفي مايو 2025، أرسلت الحكومة السودانية موقفها إلى مجلس الأمن، مؤكدة رفضها للاتهامات، ومشددة على التزام السودان باتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية. كما قالت إن الولايات المتحدة لم تستخدم القنوات التي توفرها الاتفاقية للتحقيق في هذه المزاعم.

وأعلنت الخرطوم كذلك تشكيل لجنة فنية وطنية للتحقيق في الاتهامات. ووفق ما نقلته Arms Control Today عن مداولات منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، خلص التقرير المرحلي للجنة السودانية إلى عدم العثور على أدلة مادية أو تقنية أو وثائقية تثبت استخدام الأسلحة الكيميائية في المواقع التي جرى فحصها.

لكن الولايات المتحدة رفضت اعتبار التحقيق الوطني بديلاً عن التحقيق الدولي المستقل، ودعت السودان إلى السماح لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية بالوصول الكامل والشفاف إلى المواقع المعنية.

لماذا تمثل القضية نقطة تحول؟

 

 

الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في إثبات حادثة واحدة، وإنما في احتمال وجود بنية متكاملة لتطوير واستخدام أسلحة كيميائية داخل الحرب السودانية.

فإذا أثبتت التحقيقات الدولية وجود ذخائر مصممة لنشر مواد سامة، أو مخازن مخصصة لها، أو أوامر عسكرية باستخدامها، فإن القضية ستتجاوز حدود الاتهام السياسي إلى ملف دولي يتعلق بالامتثال لاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية والمسؤولية الجنائية الفردية.

كما أن استخدام مادة مثل الكلور كسلاح لا يصبح مشروعاً لمجرد أنها مادة صناعية مشروعة في الاستخدام المدني. فالقانون الدولي يركز على الغرض وطريقة الاستخدام.

وتبقى الخطوة الأهم الآن هي الوصول إلى أدلة قابلة للتحقق المستقل. منظمة حظر الأسلحة الكيميائية نفسها أوضحت في تقاريرها أنها تتابع الادعاءات المتعلقة بالسودان، لكنها أشارت إلى أن الأمانة الفنية لا تملك صلاحية التحرك من تلقاء نفسها من دون طلب أو تفويض مناسب من الدول الأطراف أو الأجهزة المختصة.

القضية السودانية لم تعد مجرد اتهام صدر عن طرف في الحرب. الولايات المتحدة أصدرت حكماً سياسياً وقانونياً بموجب تشريعها الداخلي، وفرضت عقوبات، ثم ظهرت تحقيقات دولية قدمت مواد جديدة قالت إنها تعزز الاتهامات.

ومع ذلك، فإن الوصول إلى الحقيقة النهائية يحتاج إلى تحقيق دولي مستقل، والوصول إلى المواقع، وفحص العينات، والتحقق من سلسلة الأدلة، ومقارنة الأدلة الميدانية بالمعلومات الاستخباراتية.

وبينما تنفي الخرطوم الاتهامات، فإن حجم المعلومات التي ظهرت في 2025 و2026 يجعل من الصعب التعامل مع القضية باعتبارها مجرد حملة سياسية. وفي المقابل، لا يزال من الضروري التمييز بين وجود أدلة مثيرة للقلق وبين إثبات قانوني نهائي لمسؤولية جهة محددة عن استخدام سلاح كيميائي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى