أمريكا تربط وقف الحرب في السودان بهدنة ومسار سياسي مدني
تتعامل الولايات المتحدة مع الحرب في السودان باعتبارها أزمة لا يمكن إنهاؤها من خلال وقف إطلاق النار وحده، ولا عبر حسم عسكري يفرضه أحد طرفي الصراع. فالمقاربة التي تدفع بها واشنطن تجمع بين الضغط على مصادر السلاح، والدفع نحو هدنة إنسانية، وتأمين وصول المساعدات، ثم الانتقال إلى مسار سياسي يتيح للسودانيين تحديد مستقبل بلادهم بعيداً عن هيمنة القوى المسلحة.
ويكشف هذا التصور عن رغبة أمريكية في التعامل مع الحرب ضمن مراحل مترابطة، تبدأ بتقليص القدرة على استمرار القتال، وتمر بوقف مؤقت يسمح بإيصال المساعدات وتهيئة الظروف للحوار، وتنتهي بعملية سياسية يفترض أن تعيد القرار بشأن مستقبل السودان إلى المدنيين.
وفي هذا الإطار، يأتي مشروع القرار الأمريكي في مجلس الأمن لتوسيع حظر السلاح المفروض منذ عام 2005 على دارفور ليشمل كامل السودان، باعتباره إحدى الأدوات التي تريد واشنطن استخدامها لتغيير حسابات طرفي الحرب والجهات الخارجية التي توفر لهما الدعم.
الهدنة ليست هدفاً نهائياً
تسعى الولايات المتحدة إلى الدفع باتجاه هدنة إنسانية، لكن طرحها لا يتعامل مع الهدنة باعتبارها نهاية للأزمة.فالهدنة، في التصور الأمريكي، ينبغي أن تكون فرصة لوقف القتال مؤقتاً، وتأمين وصول المساعدات إلى السكان، وتهيئة الظروف للانتقال إلى مرحلة سياسية أكثر شمولاً.
وهذا التفريق مهم، لأن التجارب السابقة في السودان والمنطقة أظهرت أن وقف إطلاق النار يمكن أن يتحول إلى مجرد فترة لإعادة ترتيب القوات وتعزيز المواقع العسكرية، قبل أن تستأنف المعارك بصورة أكثر عنفاً.ولهذا فإن نجاح الهدنة يتوقف على ما إذا كانت ستؤدي إلى تغيير مسار الصراع، أم ستصبح مجرد استراحة قصيرة بين جولتين من القتال.
وتحاول واشنطن، من خلال ربط الهدنة بالمسار الإنساني والسياسي، منع تحول وقف إطلاق النار إلى أداة لخدمة الحسابات العسكرية لأي طرف.
المساعدات في قلب المعادلة
الحرب السودانية خلقت واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً، مع تضرر ملايين المدنيين نتيجة القتال والنزوح وتراجع القدرة على الوصول إلى الغذاء والدواء والخدمات الأساسية وفي ظل هذا الوضع، يصبح إدخال المساعدات جزءاً أساسياً من أي هدنة حقيقية.لكن المشكلة لا تتعلق فقط بتوفير المساعدات من جانب المجتمع الدولي، وإنما بضمان وصولها إلى المدنيين وعدم تحويلها إلى ورقة ضغط عسكري أو سياسي.ولهذا تدفع واشنطن باتجاه إنشاء آلية أممية تساعد على تنظيم وصول المساعدات وضمان عدم عرقلتها.
وتحمل هذه الخطوة بعداً يتجاوز الجانب الإنساني، لأنها تعني محاولة وضع مسار مستقل نسبياً للمساعدات، بحيث لا يصبح وصول الغذاء والدواء رهينة للمفاوضات بين القوى المسلحة.فالمدني الذي يحتاج إلى المساعدة لا يستطيع الانتظار حتى تتوصل الأطراف إلى اتفاق سياسي شامل، ولذلك ترى واشنطن أن المسار الإنساني يجب أن يتحرك بالتوازي مع المسار السياسي.
وقف السلاح شرط لاستمرار الهدنة
لكن واشنطن تدرك في الوقت نفسه أن أي هدنة ستكون هشة إذا بقيت قنوات التسليح مفتوحة.فإذا استطاع طرفا الحرب الحصول على أسلحة جديدة ومقاتلين وتمويل وتكنولوجيا عسكرية خلال فترة الهدنة، فإن الحوافز للالتزام بها ستتراجع.
ولهذا يصبح مشروع حظر السلاح جزءاً من الاستراتيجية الأمريكية الخاصة بالهدنة.وتوسيع الحظر من دارفور إلى كامل السودان يهدف إلى تقليص مساحة المناورة أمام شبكات التسليح، ومنع استخدام المناطق غير المشمولة بالحظر كقنوات بديلة لإيصال الإمدادات إلى ساحات القتال.كما يستهدف المقترح شبكات أوسع من مجرد القوات الموجودة على الأرض، بما في ذلك تجار السلاح ووكلاء المشتريات والممولون ومجندو المرتزقة وموردو الطائرات المسيّرة والجهات المرتبطة بتوفير الدعم العسكري.
وبذلك تحاول واشنطن خلق ظروف تجعل العودة إلى الحرب أكثر صعوبة من الناحية اللوجستية والمالية.
الضغط على الجيش والدعم السريع معاً
وتحرص الولايات المتحدة على التأكيد بأن المقاربة لا تستهدف طرفاً واحداً.فالجيش السوداني والدعم السريع، وفق الطرح الأمريكي، يجب أن يخضعا للضغط نفسه فيما يتعلق بالقدرة على الحصول على الأسلحة والدعم الخارجي.
وهذه النقطة تحمل أهمية سياسية كبيرة، لأن منح أحد الطرفين مساحة أكبر للحصول على السلاح يمكن أن يدفعه إلى الاعتقاد بأن تحقيق النصر العسكري ما زال ممكناً.أما فرض القيود على الطرفين، فيهدف إلى دفعهما نحو إدراك أن الحرب لن تنتج حلاً مستقراً، وأن استمرار القتال سيصبح أكثر تكلفة وأقل قابلية للتحقيق.وهنا تحاول واشنطن تغيير الحسابات العسكرية من خلال الضغط على الموارد التي تعتمد عليها الحرب.
واشنطن لا تراهن على المنتصر
المسار الأمريكي يتجاوز فكرة التوصل إلى هدنة بين الجيش والدعم السريع، ليصل إلى سؤال أكثر حساسية: ماذا يحدث بعد توقف القتال؟فالولايات المتحدة، وفق الرسالة التي طرحها والتز وبولس، لا ترى أن انتهاء الحرب يجب أن يؤدي إلى منح أحد الطرفين حق إدارة السودان بصورة تلقائية.وهذا الموقف يستند إلى تقييم أمريكي لسلوك الطرفين خلال الحرب.
فالدعم السريع وحلفاؤه متهمون بارتكاب انتهاكات جسيمة، من بينها جرائم ترقى إلى الإبادة الجماعية والعنف الجنسي، بينما تواجه القوات المسلحة السودانية أيضاً اتهامات بارتكاب انتهاكات، إضافة إلى اتهام الطرفين بعرقلة أو نهب المساعدات الإنسانية.وبالتالي، فإن واشنطن لا تريد أن تتحول نتيجة الحرب العسكرية إلى تفويض سياسي.فإذا سيطر طرف على مساحة أكبر من الأراضي، فهذا يغير ميزان القوى، لكنه لا يمنحه بالضرورة حق تحديد مستقبل الدولة.
المسار المدني هو الحلقة الأهم
من هنا يأتي التركيز الأمريكي على حوار سوداني مدني مستقل وموثوق.فالهدف، وفق هذا التصور، هو أن تكون العملية السياسية المقبلة أوسع من مجرد مفاوضات بين القيادات العسكرية.وتريد واشنطن أن يحصل المدنيون السودانيون على فرصة حقيقية لتحديد شكل الدولة ومؤسساتها وترتيبات الحكم بعد الحرب.
وهذا يتطلب، في المقابل، ألا تكون القوى المسلحة هي الجهة الوحيدة التي تمتلك القدرة على تحديد المشاركين في العملية السياسية أو شروطها.فالحوار الذي يتم تحت ضغط السلاح قد ينتج اتفاقاً مؤقتاً، لكنه لا يعالج جذور الأزمة.أما الحوار المدني الواسع، فيمكن أن يفتح المجال أمام إعادة بناء الشرعية السياسية على أساس مختلف عن ميزان القوة العسكرية.
لماذا تخشى واشنطن من تسوية عسكرية؟
تخشى المقاربة الأمريكية، بشكل واضح، من أن تنتهي الحرب إلى صفقة بين القوى المسلحة تضمن تقاسم النفوذ، بينما يبقى المجتمع المدني خارج دائرة صناعة القرار.مثل هذا السيناريو قد ينهي المعارك لفترة، لكنه لا يضمن بناء دولة مستقرة.
فالسودان لا يعاني فقط من مشكلة عسكرية، وإنما من أزمة عميقة في العلاقة بين الدولة والمؤسسة العسكرية والقوى السياسية والمجتمع المدني.ولهذا فإن أي اتفاق يركز فقط على وقف إطلاق النار من دون معالجة مستقبل الحكم قد يؤجل الأزمة بدلاً من حلها.ومن هنا تريد واشنطن أن يكون وقف الحرب بداية لمسار سياسي، وليس نهاية للمسار السياسي.
من الهدنة إلى السلام
الفارق بين الهدنة والسلام هو أحد أهم العناصر في الرؤية الأمريكية.الهدنة توقف إطلاق النار لفترة محددة، بينما السلام يحتاج إلى اتفاق سياسي يعالج أسباب الصراع وترتيبات السلطة والأمن ومستقبل المؤسسات العسكرية.ولذلك فإن واشنطن تحاول ربط الخطوات ببعضها: وقف القتال، إدخال المساعدات، تقليص تدفق السلاح، ثم إطلاق حوار سياسي.
وإذا نجحت هذه المراحل في العمل معاً، فقد يصبح من الممكن الانتقال من إدارة الحرب إلى إنهائها.أما إذا انفصلت هذه المسارات، فإن كل خطوة ستبقى معرضة للانهيار.هدنة بلا ضغط على مصادر السلاح يمكن أن تنهار.ومساعدات بلا ضمانات وصول يمكن أن تتعطل.وحوار سياسي بلا وقف فعلي للقتال يمكن أن يتحول إلى مفاوضات تحت النار.
دور الأمم المتحدة
تريد الولايات المتحدة أيضاً أن يكون للأمم المتحدة دور أكثر فاعلية في المرحلة المقبلة، خصوصاً فيما يتعلق بالجانب الإنساني والضغط الدولي على الأطراف.فالمنظمة الدولية يمكن أن توفر الإطار الذي يسمح بمراقبة تنفيذ الالتزامات، وتسهيل وصول المساعدات، ودعم أي ترتيبات سياسية يتم التوصل إليها.
لكن نجاح هذا الدور يتوقف على تعاون الدول الأعضاء، وعلى استعداد الأطراف السودانية للالتزام بما يتم الاتفاق عليه.
كما أن قدرة الأمم المتحدة على التحرك ستظل مرتبطة بموقف مجلس الأمن من مشروع حظر السلاح وبمدى استعداد القوى الدولية للضغط على الجهات التي تساهم في استمرار الحرب.
مجلس الأمن أمام معادلة مختلفة
إذا تم النظر إلى مشروع حظر السلاح بمعزل عن بقية المبادرات، فقد يبدو مجرد إجراء عقابي إضافي.لكن وضعه داخل الاستراتيجية الأمريكية الأوسع يجعله جزءاً من عملية تهدف إلى تغيير البيئة التي تستمر فيها الحرب.فالولايات المتحدة تريد استخدام مجلس الأمن لتقييد تدفق السلاح، وفي الوقت نفسه الدفع نحو هدنة إنسانية، وضمان وصول المساعدات، ثم الانتقال إلى مسار سياسي.
وهذا يجعل موقف الدول الأعضاء في مجلس الأمن مهماً للغاية.فأي ضعف في القرار أو استثناءات واسعة قد يسمح باستمرار شبكات التسليح، بينما يمكن لقرار أكثر شمولاً أن يزيد الضغط على الأطراف وداعميها.ومن هنا فإن النقاش حول الحظر لا يتعلق فقط بالسلاح، وإنما بمستقبل استراتيجية المجتمع الدولي تجاه الحرب السودانية.
المدنيون بين الحرب والتسوية
يبقى التحدي الأكبر هو تحويل المدنيين من ضحايا للحرب إلى أصحاب دور فعلي في صناعة السلام.فطوال فترة الصراع، كان المدنيون الطرف الأكثر تضرراً من القتال، لكنهم لم يمتلكوا الأدوات نفسها التي تمتلكها القوى المسلحة لفرض شروطها.ولهذا فإن أي مسار سياسي جدي يحتاج إلى إعادة بناء قدرتهم على التنظيم والمشاركة والتأثير.والحوار المدني الذي تدعو إليه واشنطن لا ينبغي أن يكون مجرد إضافة شكلية إلى مفاوضات عسكرية، بل يجب أن يكون جزءاً أساسياً من تحديد مستقبل السودان.
فالهدف النهائي ليس فقط الاتفاق على كيفية إسكات البنادق، وإنما الاتفاق على كيفية بناء دولة لا تعود فيها البنادق الوسيلة الرئيسية للوصول إلى السلطة.
العقبة أمام الرؤية الأمريكية
لكن تطبيق هذه الاستراتيجية لن يكون سهلاً.فالجيش والدعم السريع يمتلكان حسابات مختلفة، وكل طرف قد يرى في أي ضغط دولي محاولة لتقييد قدرته على تحسين موقعه العسكري.كما أن الدول الإقليمية والدولية المرتبطة بالسودان لا تتحرك بالضرورة وفق رؤية واحدة، وبعضها يمتلك مصالح أمنية واقتصادية وسياسية تجعل الضغط عليها أكثر تعقيداً.
إضافة إلى ذلك، فإن مراقبة حظر السلاح على دولة واسعة مثل السودان تمثل تحدياً كبيراً، خصوصاً مع طول الحدود وتعدد طرق التهريب وتطور شبكات التمويل.لكن واشنطن تراهن على أن الجمع بين العقوبات والضغط الدبلوماسي والهدنة والمساعدات يمكن أن يغير تدريجياً حسابات الأطراف.
السياسة قبل البندقية
الرسالة الأساسية في المقاربة الأمريكية هي أن الحرب لا يمكن أن تكون هي التي تحدد شكل السودان القادم.
فإذا سمح للميدان العسكري بأن يحدد وحده من يحكم ومن يملك الشرعية، فإن أي وقف للقتال قد يصبح مجرد انتقال مؤقت إلى جولة جديدة من الصراع.
أما إذا تم استخدام الهدنة لفتح المجال أمام المساعدات، واستخدم حظر السلاح لتقليص قدرة الأطراف على إعادة إشعال الحرب، ثم أطلق مسار سياسي مدني حقيقي، فإن فرص بناء تسوية أكثر استدامة تصبح أكبر.
وهذا هو الرهان الذي يبدو أن واشنطن تدفع نحوه: تغيير الظروف التي تجعل الحرب مستمرة، ثم استثمار الهدنة في بناء مسار سياسي لا يكون فيه السلاح صاحب القرار.
وفي النهاية، فإن المقاربة الأمريكية لا تقدم الهدنة باعتبارها خاتمة القصة، وإنما باعتبارها بوابة إلى مرحلة جديدة.
مرحلة تتراجع فيها قدرة القوى المسلحة على فرض شروطها، وتتسع فيها مساحة العمل الإنساني، ويصبح المدنيون جزءاً مركزياً من تحديد مستقبل البلاد.
فالهدف الأمريكي ليس أن تتوقف البنادق فقط، بل أن يبدأ السودان بعد توقفها في بناء شرعية لا تأتي من فوهة السلا




