تسريبات

الكيماوي في السودان.. ثغرات بتقرير بورتسودان تفتح باب الجدل


تعتري تقرير سلطة بورتسودان المرسل إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW) تناقضات وثغرات منهجية واسعة، فتحت الباب أمام انتقادات حادة تشكك في مصداقية مخرجاته، بالتزامن مع موقف أمريكي رسمي حاسم أكد استخدام الجيش السوداني لأسلحة كيميائية، مطالباً بتحقيق دولي غير مقيد، وملوحاً بعدم أهلية السودان للبقاء في عضوية المجلس التنفيذي للمنظمة طالما استمر في عدم الامتثال لالتزاماته الدولية.
تقرير “اللجنة الوطنية” بين الإنكار والتذرع بالعقبات
وكشفت صحيفة “استقصائي” السودانية عن حصولها على نسخة من التقرير الأولي الذي قدمته سلطة بورتسودان للمنظمة، والصادر عن “اللجنة الوطنية” التي شكلها قائد الجيش السوداني، عبدالفتاح البرهان، في الأول من يونيو/حزيران 2025، للتحقيق في الاتهامات الأمريكية التي سبقتها بشهر (مايو/أيار 2025).
وزعم التقرير أن اللجنة أجرت زيارات ميدانية ومقابلات مع مسؤولين محليين وعاملين في القطاع الصحي وسكان المناطق المستهدفة، مدعياً عدم التوصل إلى أي أدلة مادية أو فنية أو وثائقية تثبت صحة الاتهامات. وفي محاولة لتبرير نتائج التحقيق، أشار التقرير إلى معوقات واجهت عمله، منها الظروف الأمنية، والقيود اللوجستية، وتأخر الحصول على السجلات، فضلاً عما وصفه بـ”تأخر تبادل المعلومات من جانب الولايات المتحدة”، معلناً أن التحقيقات لا تزال جارية وسيتم دراسة أي أدلة جديدة قبل إصدار التقرير النهائي.
تناقضات منهجية ومخاطر قانونية
هذا التبرير أثار شكوكاً حول شرعية الجزم بنتائج التحقيق بينما تعترف اللجنة نفسها بعدم اكتمال عملها وانتظارها لمعلومات جديدة. وفي هذا الإطار، انتقدت المحامية والناشطة الحقوقية السودانية، رحاب المبارك سيد أحمد، التقرير واصفة إياه بـ”المهزوز وضعيف المضمون”، مشيرة إلى تناقضات صارخة في إجراءاته ونتائجه.
وأوضحت سيد أحمد أن اللجنة، رغم مرور عام ونصف على تشكيلها، لم تعلن عن أي نتائج خلال الفترة الماضية، مما يجعل هذا التقرير مجرد رد فعل على اتهامات دولية مباشرة، وهو ما قد يدخل سلطة بورتسودان في “مأزق قانوني” ويترتب عليه مسؤوليات جنائية بسبب طبيعة الرد الرسمي على هذه الاتهامات الخطيرة.
ثغرات زمنية وغياب للشفافية
ويرى مراقبون أن التوقيت يطرح علامات استفهام كبيرة حول أداء “اللجنة الوطنية”؛ فبينما تشكلت في يونيو/حزيران 2025، لم تقدم تقريرها الأولي إلا في يوليو/تموز 2026، أي بعد مرور أكثر من عام على بدء عملها، دون تقديم تفاصيل دقيقة عن مراحل التحقيق أو الأنشطة المنجزة خلال هذه المدة، مكتفية بإشارات عامة لاجتماعات وزيارات ميدانية غير مؤرخة.
وفي تفنيدها لهذه الثغرات، نوهت الناشطة الحقوقية إلى أن التقرير أغفل توضيح تاريخ بدء العمل الميداني الفعلي، والصلاحيات الممنوحة للجنة، والمواقع التي شملتها عمليات البحث، والآليات الفنية المعتمدة في التحليل. كما انتقدت بشدة عدم طلب اللجنة أي دعم فني أو تحليلي من منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، أو الاستعانة بآليات التحقق الدولية المعتمدة، معتبرة أن هذا العزوف يهدم مصداقية المنهجية المتبعة. وزادت قائلة إن إبقاء الباب مفتوحاً لإصدار “تقرير نهائي” مستقبلاً يتناقض منطقياً مع إعلان اللجنة الحالي بعدم العثور على أي أدلة.
تصعيد أمريكي: تحديد “الكلور” كسلاح محظور
على الصعيد الدولي، تصاعدت حدة الموقف الأمريكي خلال الكلمة التي ألقتها واشنطن أمام المجلس التنفيذي للمنظمة، حيث أكدت استناداً إلى “تحليل فني صارم ومستقل” أن الجيش السوداني استخدم أسلحة كيميائية خلال عام 2024، وظل في حالة عدم امتثال للاتفاقية طوال عام 2025، مشددة على أن الحظر في هذا الشأن “مطلق وغير قابل للتفاوض” بموجب المادة الأولى من الاتفاقية.
وفي خطوة وصفها مراقبون بالتصعيد اللافت، صرحت السفيرة الأمريكية لدى المنظمة، نيكول شامبين، بأن الجيش السوداني استخدم “غاز الكلور كسلاح كيميائي”، في أول تصريح رسمي أمريكي يحدد علناً نوع المادة المحظورة. يشار إلى أن واشنطن كانت قد فرضت في يونيو/حزيران 2025 عقوبات على الحكومة السودانية بسبب هذه الممارسات، دون أن تحدد حينها تفاصيل الزمان والمكان.
تقارير دولية تعزز الاتهامات
وتتزامن هذه التطورات مع تحقيقات إعلامية ودولية سابقة أكدت استخدام الجيش السوداني لأسلحة كيميائية منذ اندلاع الحرب في منتصف أبريل/نيسان 2023. من أبرزها تحقيق نشرته وكالة “فرانس برس” ومنصة “فرانس 24” في عام 2025، والذي استند إلى بيانات مفتوحة المصدر، ومقاطع فيديو تم التحقق منها، وآراء خمسة خبراء مستقلين.
وكشف التحقيق عن قيام الجيش بإسقاط برميل كلور صناعي من طائرة في 5 سبتمبر/أيلول 2024، على قاعدة “قري” العسكرية قرب مصفاة “الجيلي” النفطية شمال الخرطوم، مما أسفر عن تصاعد سحابة صفراء مميزة لغاز الكلور. بدورها، وصفت منظمة “هيومن رايتس ووتش” هذا الاستخدام للمواد الكيميائية الصناعية كأسلحة بأنه “سابقة مقلقة” تعكس تدهوراً خطيراً في قواعد النزاع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى