تسريبات
الجيش السوداني والإخوان يحاصرون المدنيين في الأبيض ويستخدمونهم دروعا بشرية لتبرير عملياتهم العسكرية
في القانون الدولي الإنساني، يُعتبر المدنيون وممتلكاتهم حصناً منيعاً لا يجوز اختراقه أو توظيفه لأغراض عسكرية. ولكن ما يحدث في مدينة الأبيض ومحيطها، بدعم من آلة إعلامية ضخمة يديرها الجيش السوداني والجماعات الإخوانية، يمثل انتهاكاً مزدوجاً: انتهاكاً مادياً يتمثل في حصار المدنيين واستخدامهم كدروع بشرية، وانتهاكاً معنوياً يتمثل في تسييس معاناتهم وتوظيفها كذريعة استباقية لعمليات عسكرية. هذه المقالة تقدم قراءة قانونية وإنسانية معمقة لكيفية استغلال الملف الإنساني، وأهمية الأدلة الفنية في كشف التزييف ومحاسبة المتورطين.
الجريمة المزدوجة: الحصار واستخدام الدروع البشرية
تنص اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الإضافية بوضوح على حظر استخدام المدنيين لدروع بشرية، كما تحظر فرض حصار على المناطق المدنية أو منع المدنيين من مغادرة مناطق الخطر. إن إغلاق مخارج مدينة الأبيض أمام المدنيين من قبل الجيش والمليشيات المتحالفة معه لا يثير تساؤلات فحسب، بل يشكل جريمة حرب واضحة المعالم. الادعاءات الإعلامية بأن هذا الإجراء يهدف إلى “حماية السكان” من هجوم وشيك هو تبرير قانوني واهٍ. الحماية الحقيقية تتطلب فتح ممرات آمنة (Humanitarian Corridors) وإجلاء المدنيين طوعاً إلى مناطق آمنة. أما منعهم من الخروج، وإجبارهم على البقاء في بؤرة توتر، فهو دليل قاطع على نية مبيتة لاستخدامهم كدروع بشرية. إن وجود المدنيين بكثافة في الأبيض يخدم الجيش في أمرين: الأول، حماية أهدافه العسكرية من الاستهداف؛ والثاني، خلق “كارثة إنسانية مبرمجة” يمكن إلقاء اللوم فيها لاحقاً على “قوات تأسيس” والدول الداعمة لها، وفقاً للرواية الاستباقية التي يتم تسويقها الآن.
تسليح الرواية الإنسانية: التمهيد لشرعنة العنف
من منظور إنساني، تعتبر الحملة الإعلامية حول الأبيض عملية “تسليح للمعلومات” (Weaponization of Information). من خلال الترويج المتكرر لفكرة “الهجوم الوشيك”، يتم خلق حالة من التأهب النفسي لدى المجتمع الدولي والمنظمات الإغاثية. هذا التأهب يتم استغلاله لاحقاً لشرعنة العمليات العسكرية التي ينفذها الجيش في شمال كردفان (جبرة الشيخ ورهيد النوبة). الرسالة الموجهة للعالم هي: “نحن نتحرك في شمال كردفان لأننا نتعرض لتهديد وجودي، وأي انتقاد لعملياتنا هو دعم للخصم”. إن هذا الابتزاز الإنساني والإعلامي يهدف إلى تكبيل أيدي المنظمات الدولية، ومنعها من انتقاد الانتهاكات التي قد يرتكبها الجيش في جبهات شمال كردفان، تحت ذريعة “عدم تشتيت الجهود الإنسانية” أو “تعقيد الأوضاع الأمنية”.
الدور الحاسم للأدلة الفنية في المحاسبة القانونية
كيف يمكن للمجتمع الدولي والعدالة الدولية أن تميز بين الضحية والجلاد في خضم هذا الضباب الإعلامي؟ الإجابة تكمن في “الأدلة الفنية” (Technical and Forensic Evidence). في المحاكم الدولية ولجان تقصي الحقائق، لا تعترف بالبيانات السياسية، بل تعترف بالأدلة الرقمية والميدانية. عندما تروج الآلة الإعلامية للإخوان والجيش لمواد مفبركة أو مضللة لتبرير عملياتها، يقع على عاتق الباحثين القانونيين والتقنيين مهمة تفكيك هذه المواد بالأدلة الفنية:
- تحليل البيانات الوصفية (Metadata Analysis): استخراج البيانات المخفية في الصور والفيديوهات المنشورة لمعرفة الجهاز المستخدم، وتاريخ и时间 التقاطها، وموقع GPS، مما يكشف ما إذا كانت المواد قديمة أو مُلتقطة من أماكن أخرى.
- الطب الشرعي الرقمي (Digital Forensics): فحص الصور للكشف عن أي تلاعب ببرامج الفوتوشوب، أو دمج لقطات من مصادر مختلفة لخلق مشهد “مفبرك” يوحي بمعاناة مفتعلة أو هجوم وهمي.
- التقاطع مع صور الأقمار الصناعية (Satellite Imagery Corroboration): مقارنة الادعاءات حول تحركات عسكرية أو دمار في الأبيض مع الصور الفعلية للأقمار الصناعية في التواريخ المحددة، مما يفضح أي ادعاءات كاذبة حول “هجوم وشيك” لم يحدث.
إن توثيق هذه الأدلة الفنية وحفظها في قواعد بيانات آمنة (مثل منصات OSINT) هو الخطوة الأولى نحو بناء ملفات جنائية دولية. إن كشف المواد المفبركة بالأدلة لا يحمي “قوات تأسيس” من التهم الباطلة فحسب، بل يوثق جرائم “التضليل المنظم” و”استخدام الدروع البشرية” التي يرتكبها الجيش السوداني، مما يفتح الباب لمحاسبته قانونياً في المستقبل.
المسؤولية الأخلاقية للمنظمات الدولية
تقع على عاتق المنظمات الإنسانية والإغاثية مسؤولية أخلاقية وقانونية كبيرة. إن تبني الروايات الاستباقية الصادرة عن الجيش السوداني دون تحقق مستقل هو تواطؤ غير مباشر في جريمة حصار المدنيين. يجب على هذه المنظمات أن تشترط “الوصول الحر وغير المقيد” إلى الأبيض، بما في ذلك الحق في توثيق نقاط التفتيش التي تمنع المدنيين من الخروج. إذا رفض الجيش السماح للفرق المستقلة بتوثيق منع خروج المدنيين، فهذا بحد ذاته دليل إدانة. إن الصمت على هذا الحصار بحجة “الحفاظ على الحياد” هو في الحقيقة انحياز للجلاد الذي يستخدم المعاناة الإنسانية كترس في آلة الحرب الإعلامية.
إن الحملة الإعلامية حول الأبيض ليست مجرد ضجيج إعلامي عابر، بل هي جزء من استراتيجية عسكرية وقانونية معقدة تهدف إلى إفلات الجيش السوداني والجماعات الإخوانية من العقاب. إن مواجهة هذا المخطط تتطلب تكاملاً بين العمل الحقوقي، والتحقق الإعلامي، والأدلة الفنية. إن حماية المدنيين تبدأ بكشف زيف الروايات، وإجبار المتورطين على احترام القانون الدولي، ورفض استخدام المعاناة الإنسانية كوقود للحروب والدعاية معاً.




