تحقيقات

تصاعد استخدام الطائرات الإيرانية في السودان وسقوط ضحايا مدنيين


في قلب الحرب الأهلية السودانية تتكشف فصول جديدة من التدخل الإيراني الذي يحول المدنيين العزل إلى أهداف عشوائية.

ودخلت الحرب في السودان عامها الرابع، مخلفة ما يصل إلى 400 ألف قتيل وأكثر من 11 مليون نازح في أسوأ أزمة نزوح شهدها العالم.

فبينما تدير العواصم الكبرى ظهرها للمأساة الإنسانية المتفاقمة، تتدفق الطائرات المسيرة الإيرانية إلى سماء السودان لتضيف بعداً أكثر دموية إلى صراع بات يستهدف المستشفيات والمدارس وقوافل المساعدات الإنسانية، في مشهد يعيد إنتاج الاستراتيجية ذاتها التي اختبرتها طهران في أوكرانيا واليمن وسوريا، وفقا لموقع “فوكس نيوز ديجيتال”.

وتكشف تحقيقات حديثة ومعطيات استخباراتية عن شبكة إمداد جوي معقدة تنقل طائرات “مهاجر-6” المسيرة، المصنعة من قبل شركة “قدس للصناعات الجوية” الإيرانية الخاضعة للعقوبات الأمريكية، إلى القوات المسلحة السودانية في خرق مستمر للحظر الدولي.

وتشير المحللة البحثية مريم وهبة من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات إلى أن 7 رحلات شحن على الأقل سُجلت بين إيران والسودان في الفترة بين ديسمبر/كانون الأول 2023 ويوليو/تموز 2024، يُرجح أنها كانت محملة بطائرات مهاجر ومكوناتها.

وتأكدت هذه الشبهات حين ألقي القبض في التاسع عشر من أبريل/نيسان الماضي على المواطنة الأمريكية من أصل إيراني، شميم مافي (44 عاماً)، في مطار لوس أنجلوس الدولي بتهمة التوسط في صفقة أسلحة بقيمة 70 مليون دولار لصالح وزارة الدفاع السودانية، شملت طائرات “مهاجر-6” وقنابل وصواعق تفجير وملايين الطلقات النارية المصنعة في إيران.

ضحايا المسيرات الإيرانية في السودان

وقد مثلت مافي، التي لا تزال رهن الاحتجاز الفيدرالي، أمام محكمة المقاطعة الأمريكية في لوس أنجلوس، في قضية تسلط الضوء على امتداد أذرع التهريب الإيرانية إلى الأراضي الأمريكية نفسها.

“مهاجر-6″، التي توصف بأنها العمود الفقري لأسطول الطائرات المسيرة الإيرانية، ليست سلاحاً غريباً على ساحات القتال الإقليمية؛ فهي المنصة ذاتها التي استخدمها حزب الله في هجماته على إسرائيل، والحوثيون في استهدافهم لحركة الملاحة في البحر الأحمر.

وهي طائرة قابلة لإعادة الاستخدام تجمع بين مهام المراقبة وجمع المعلومات الاستخباراتية وتنفيذ الضربات الدقيقة، مما يجعلها أداة مثالية لحروب الاستنزاف الطويلة التي تخوضها طهران عبر وكلائها.

وفي السودان، لا تميز هذه الطائرات بين مقاتل ومدني، ولا بين هدف عسكري ومستشفى ميداني، كما تؤكد الوقائع الموثقة التي رصدت استخدام القوات المسلحة السودانية للمسيرات بشكل متزايد ضد السكان المدنيين.

تأتي الشهادات الأممية لتضفي بعداً إنسانياً مرعباً على الإحصائيات الجافة. ففي 24 أبريل/نيسان، دمرت طائرة مسيرة شاحنة مساعدات تابعة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين كانت تحمل معدات إيواء طارئ في أثناء مرورها ببلدة أم دريسايا في شمال دارفور، لتلتهم النيران جميع الإمدادات.

وفي اليوم التالي، أسفر هجوم بطائرة مسيرة على أحياء سكنية في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان عن مقتل 7 أشخاص وإصابة أكثر من 20 آخرين، وفقاً لمجموعة طبية محلية.

ولم يعد خافياً أن التدخل الإيراني يتجاوز إرسال الأسلحة إلى أبعاد أيديولوجية وعقائدية أعمق. فقد أوضح المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية أن جماعات إسلاموية متحالفة مع القوات المسلحة السودانية، وعلى رأسها جماعة الإخوان السودانية، أقامت علاقات وثيقة مع الحرس الثوري الإيراني وتلقت تدريبات ودعماً، مرتكبة “فظائع بحق المدنيين” في سياق استراتيجية ممنهجة لتقويض جهود السلام.

وأكدت الوزارة أن واشنطن تسعى، ضمن جهود حماية مصالحها ومن ضمنها حماية الحرية الدينية في السودان، إلى “الحد من النفوذ الإسلامي المتطرف في الحكومة السودانية وكبح أنشطة إيران الإقليمية التي أسهمت في زعزعة الاستقرار والصراع ومعاناة المدنيين”.

هكذا تتقاطع خيوط المأساة السودانية مع شبكات التهريب العالمية وأجندات الهيمنة الإقليمية، لتشكل لوحة متكاملة من المعاناة الإنسانية التي تتكثف في مشهد وحيد: عائلات بأكملها تختفي تحت أنقاض منازلها، وأطفال يتعلمون التمييز بين أصوات الطائرات المسيرة قبل أن يتعلموا القراءة، وعالم يكتفي بإدانة الهجمات في حين تواصل طائرات “مهاجر” تحليقها القاتل في سماء بلد أنهكته الحرب وأهمله العالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى