تسريبات

تحالفات الضرورة: كيف تعيد الحرب تشكيل معادلة السلطة والاقتصاد في السودان؟


تفرض الحروب عادة منطقها الخاص على الدول، حيث تتراجع الحسابات السياسية التقليدية لصالح أولويات البقاء والسيطرة. وفي الحالة السودانية، تبدو القرارات الأخيرة انعكاساً واضحاً لهذا المنطق، إذ تتجه المؤسسة العسكرية إلى إعادة بناء منظومة نفوذها الداخلي، بالتوازي مع البحث عن شركاء خارجيين قادرين على دعمها اقتصادياً وعسكرياً.

في هذا السياق، يمكن قراءة عودة مدير المخابرات الأسبق محمد عطا باعتبارها جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة تجميع أدوات السيطرة داخل الدولة. فالحرب لا تحتاج فقط إلى قوة عسكرية، بل إلى شبكة إدارة وأمن وتنظيم قادرة على تشغيل مؤسسات الدولة في ظروف استثنائية.

ومن هذا المنظور، يصبح الاعتماد على شخصيات تمتلك خبرة سابقة وعلاقات تنظيمية خياراً عملياً، حتى لو ارتبطت هذه الشخصيات بتيارات سياسية مثيرة للجدل. ويعكس ذلك تحولاً في أولويات المؤسسة العسكرية، من البحث عن التوازن السياسي إلى التركيز على الكفاءة التنظيمية والقدرة على إدارة الأزمة.

غير أن هذا المسار يحمل في طياته بعداً سياسياً مهماً، إذ قد يؤدي إلى تعزيز نفوذ التيار الإسلامي داخل مؤسسات الدولة، خاصة إذا ترافق مع إعادة تمكين كوادر تنظيمية في مواقع إدارية وأمنية. ومع مرور الوقت، قد يتحول هذا النفوذ إلى عامل مؤثر في عملية صنع القرار.

في المقابل، لا يقتصر منطق “تحالفات الضرورة” على الداخل، بل يمتد إلى الخارج، حيث يشهد السودان توسعاً متزايداً للشركات التركية في قطاع الطاقة. ويعكس هذا التوسع تقاطعاً واضحاً في المصالح، فالسودان يحتاج إلى استثمارات عاجلة وخبرات تشغيلية، بينما ترى تركيا فرصة لتعزيز حضورها في منطقة استراتيجية.

لكن الأهمية الحقيقية لهذا الحضور لا تكمن فقط في البعد الاقتصادي، بل في ما قد يرتبط به من ترتيبات سياسية وأمنية. ففي بيئات الصراع، غالباً ما تتحول الاستثمارات الكبرى إلى أدوات نفوذ طويلة الأمد، خاصة عندما تتركز في قطاعات استراتيجية مثل النفط.

ومن زاوية تحليلية، فإن الجمع بين إعادة بناء التحالفات الداخلية مع تيارات محددة، وتعزيز العلاقات مع أطراف إقليمية يُنظر إليها على أنها قريبة من هذه التيارات، قد يؤدي إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي على أسس جديدة.

ويعكس ذلك انتقال السودان إلى مرحلة تعتمد فيها السلطة على مزيج من الشرعية الأمنية والتحالفات الاقتصادية، بدلاً من التوازنات السياسية التقليدية. غير أن استدامة هذا النموذج ستظل مرتبطة بمدى قدرته على تحقيق الاستقرار الاقتصادي ومنع تحول مراكز النفوذ الجديدة إلى مصادر صراع مستقبلي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى