هدنة رمضان على المحك.. البرهان يصعّد موقفه ضد مسار التهدئة
تعنت مستمر يبديه قائد الجيش السوداني أمام أي نافذة توقف نزيف الدم في بلاده، حتى ولو كانت هدنة في شهر رمضان المبارك
وفي كلمة له خلال فعالية بأم درمان يوم أمس، قال قائد الجيش السوداني عبدالفتاح البرهان، إنه لن يقبل أي وقف لإطلاق النار إلا بعد انسحاب قوات الدعم السريع من المناطق التي تسيطر عليها، ومن ثم “تجميعها” في مناطق محددة.
موقف البرهان يأتي في وقت طرحت فيه واشنطن رؤية لإنهاء النزاع ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وحذرت قوى مدنية من تعطيل جهود السلام، كاشفة في الآن نفسه كواليس تحركات إخوان السودان لاستعادة السلطة.
وبموقفه هذا، يؤكد البرهان تمسكه بمقاربة ربط أي تهدئة بشروط ميدانية مسبقة، ما يعني إصرارا على إطالة أمد الحرب، كما يراه خبراء، وتجاهلا لتفاقم الكلفة الإنسانية وتزايد الضغوط الدولية لوقف القتال بشكل فوري.
ويرى مراقبون أن البرهان يريد، بربط وقف إطلاق النار بانسحابات كاملة قبل بدء أي عملية سياسية، إبقاء المدنيين رهائن للمعركة وكباش فداء لها، ويجعل الهدنة الإنسانية أداة تفاوض عسكري بدلا من أن تكون مدخلا لحماية الأرواح.
ويجمعون على أن اشتراط وقف القتال بتحقيق أهداف عسكرية مسبقة يعكس تمسكا بخيار الحسم الميداني، ويقوض المساعي الدولية الرامية إلى فرض هدنة إنسانية عاجلة توقف نزيف الدم وتفتح الباب أمام تسوية سياسية شاملة.
موقف أمريكي حاسم
وخلال جلسة لمجلس الأمن الدولي حول السودان، الخميس، طرحت واشنطن رؤية لإنهاء النزاع ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وحذرت قوى مدنية من تعطيل جهود السلام.
وأكد كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، خلال الجلسة، التزام واشنطن بالعمل على إنهاء النزاع، واصفا ما يجري في السودان بأنه “أفظع كارثة إنسانية في العالم حاليا”.
وأشار بولس إلى أن الحرب في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع شهدت انتهاكات واسعة من الطرفين.
وشدد المسؤول الأمريكي على أن “واشنطن لن تقبل أي تحركات من شبكات الإخوان لإعادة بسط نفوذها في البلاد”، معتبرا أن هناك محاولات تدار خلف الكواليس لاستعادة السلطة.
وتوعد المسؤولين عن الفظائع بمواجهة العواقب، داعيا إلى إطلاق عملية سياسية شاملة تقود إلى انتخابات ديمقراطية.
وبالنسبة له، فإن “مستقبل السودان يجب أن يرسمه المدنيون لا العسكريون”، مجددا التزام واشنطن بدعم مسار سياسي يضع حدا لمعاناة السودانيين ويؤسس لاستقرار مستدام.
والإمارات تدعو لهدنة إنسانية
وخلال مشاركته في اجتماع المجموعة الرباعية في نيويورك، أشاد الشيخ شخبوط بن نهيان آل نهيان وزير دولة بالإمارات، بالدور القيادي الذي يضطلع به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الحيلولة دون انزلاق السودان نحو مزيد من التطرف والانقسام وتفاقم الكارثة الإنسانية.
وأعرب في الوقت ذاته عن تقديره للولايات المتحدة على عقدها المؤتمر الإنساني واجتماع الرباعية في الثالث من فبراير/شباط في العاصمة واشنطن، باعتبارهما خطوتين مهمتين للحفاظ على الزخم الدولي في ظل إطالة أمد الحرب الأهلية وتداعياتها الإنسانية المدمرة.
كما رحب الشيخ شخبوط بن نهيان آل نهيان بمشاركة الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة في الاجتماع، مؤكداً أهمية تضافر الجهود الإقليمية والدولية والحرص المشترك على دعم الانتقال إلى حكومة مدنية مستقلة عن أطراف النزاع.
وخلال الاجتماع، أكد الشيخ شخبوط بن نهيان آل نهيان أهمية التوصل إلى هدنة إنسانية فورية وغير مشروطة للسماح بوصول المساعدات إلى كافة أنحاء السودان من دون عوائق، ووقف دائم لإطلاق النار، ودعم عملية انتقالية تفضي إلى حكومة مدنية مستقلة عن أطراف النزاع والجماعات المتطرفة.
«شراء الوقت»
في السياق ذاته، قال خالد عمر يوسف نائب رئيس حزب المؤتمر السوداني القيادي في تحالف “صمود”، إن كل طرف يعرقل السلام في السودان “يجب أن يواجه عواقب وخيمة”، معتبرا أنه “لم يعد مقبولا التسامح مع سياسة شراء الوقت وإطالة أمد الحرب”.
وأضاف يوسف، في تعليقه على جلسة مجلس الأمن، أن “جميع المشاركين اتفقوا على أنه لا يوجد حل عسكري لهذا الصراع”، وأن “الهدنة الإنسانية الفورية والحل السلمي المستدام باتا ضرورة لا تحتمل التأجيل”.
ودعا إلى تحويل هذا “الإجماع النادر من أقوال إلى أفعال”، مشيدا في الآن نفسه بالدور البريطاني في إعادة تسليط الضوء على ما وصفها بـ”كارثة السودان المنسية”، وأثنى على رؤية بولس التي قال إنها “تستوعب حقيقة هذه الحرب وتضع أسسا حقيقية لسلام عادل ومستدام”.
وأضاف القيادي في “صمود”، أن “السودان يمتلك فرصة حقيقية لتحقيق سلام فعلي عبر وساطة عادلة ومبدئية تسمي الأشياء بمسمياتها، وتحاسب المعرقلين الذين يستفيدون من استمرار الحرب”.
واندلعت الحرب بالسودان في 15 أبريل/نيسان 2023، مخلفة عشرات الآلاف من القتلى، وتسببت في أسوأ أزمة إنسانية في العالم وفقا للأمم المتحدة.
وأدى النزاع إلى فرار نحو 14 مليون شخص إلى مناطق داخل البلاد أو إلى دول الجوار، وسط انهيار واسع في الخدمات الأساسية وتدهور حاد في الأوضاع المعيشية.




