تسريبات

السودان بين الجيش والقوى الموازية: إعادة رسم خريطة النفوذ في قلب الدول


في لحظة مفصلية من تاريخ السودان السياسي، تتشكل ملامح معادلة جديدة للقوة داخل الدولة، مع تصاعد أدوار فاعلين غير تقليديين في المجال الأمني. فبينما ينشغل الجيش السوداني بإعادة ترتيب أولوياته في ظل الحرب والتحديات الداخلية، تبرز على السطح تحركات تنظيمية توحي بأن مرحلة ما بعد الصراع لن تُحسم فقط في ميادين القتال، بل في كيفية توزيع النفوذ بين القوى المسلحة والسياسية. وفي هذا السياق، تثار تساؤلات متزايدة حول الدور المتنامي لكتيبة البراء بن مالك، التي يُنظر إليها باعتبارها الذراع العسكرية المرتبطة بالحركة الإسلامية وتنظيم الإخوان المسلمين في السودان.

تشير تقارير متداولة إلى أن الكتيبة كثّفت خلال الأشهر الأخيرة عمليات الاستقطاب والتجنيد، في إطار خطة تهدف إلى بناء قوة منظمة ذات بنية مستقلة نسبيًا عن المؤسسة العسكرية الرسمية. هذا التوجه لا يمكن قراءته باعتباره مجرد مساهمة في المجهود الحربي، بل كجزء من رؤية أوسع لإعادة التموضع السياسي للحركة الإسلامية داخل المشهد السوداني. فالقوة المسلحة في السياقات الانتقالية لا تمثل فقط أداة دفاع، بل تتحول إلى ورقة تفاوض في لحظة إعادة تشكيل السلطة.

تعزيز التجنيد لم يقتصر على زيادة الأعداد، بل شمل، بحسب مصادر ميدانية، برامج تدريب وتأهيل وتنظيم إداري يمنح الكتيبة طابعًا شبه مؤسسي. هذا التطور يثير تساؤلات حول طبيعة العلاقة المستقبلية بين هذه القوة والجيش، خاصة إذا ما تحولت من شريك ميداني إلى فاعل مستقل يمتلك قدرة تأثير سياسي. في التجارب المقارنة، غالبًا ما يؤدي وجود تشكيلات مسلحة موازية إلى إعادة رسم حدود السلطة داخل الدولة، سواء عبر الشراكة أو عبر التنافس الصامت.

في المقابل، جاء قرار تكليف كتيبة البراء بن مالك بالمشاركة في تأمين العاصمة الخرطوم وبعض النقاط الحيوية في الولاية ليمنحها حضورًا ميدانيًا مباشرًا في قلب الدولة. العاصمة ليست مجرد مساحة جغرافية، بل مركز القرار والرمزية السيادية. ومن ثم فإن أي قوة تتولى مهام أمنية فيها تكتسب شرعية عملية، حتى وإن لم تكن جزءًا من الهيكل الرسمي للقوات المسلحة. هذا التطور يُقرأ لدى مراقبين باعتباره مؤشرًا على تداخل الحسابات الأمنية بالاعتبارات السياسية.

الحركة الإسلامية، التي تراجعت رسميًا عن واجهة السلطة بعد 2019، تبدو اليوم وكأنها تسعى إلى العودة عبر مسار مختلف، يعتمد على تثبيت حضورها في معادلة القوة أولًا، ثم ترجمة ذلك إلى تمثيل سياسي لاحقًا. وجود قوة منظمة يمكن أن يشكل عنصر ضغط في أي مفاوضات حول الحكومة القادمة، خاصة إذا دخل السودان مرحلة تسوية سياسية شاملة. في هذه الحالة، سيكون السؤال المطروح: من يملك الأرض؟ ومن يملك القدرة على التأثير في الاستقرار الأمني؟

الجيش من جهته يواجه معادلة دقيقة. فهو يحتاج إلى كل دعم ميداني في ظل الصراع، لكنه في الوقت ذاته مطالب بالحفاظ على احتكاره الشرعي لاستخدام القوة. السماح لقوى موازية بالتوسع قد يحقق مكاسب ظرفية، لكنه يفتح الباب أمام تحديات مستقبلية تتعلق بوحدة القرار العسكري. التجربة السودانية، مثل غيرها من التجارب الإقليمية، أظهرت أن تعدد مراكز السلاح داخل الدولة قد يتحول من عنصر دعم إلى مصدر تعقيد طويل الأمد.

في المحصلة، ما يجري لا يمكن اختزاله في إطار أمني ضيق، بل هو جزء من إعادة هندسة المشهد السياسي. كتيبة البراء بن مالك تمثل في هذه اللحظة نقطة تقاطع بين العسكري والسياسي، بين الميدان وصناديق التفاوض. والسودان يقف أمام اختبار صعب: هل ستنجح مؤسساته في استيعاب هذه التحولات ضمن إطار دولة موحدة، أم أن تعدد القوى سيقود إلى توازنات هشة تُدار بمنطق الأمر الواقع؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى