مطار الخرطوم المدني بين الرواية الإعلامية والواقع الميداني
ما يتم تداوله في وسائل إعلام داعمة للجيش السوداني حول بدء أو قرب تشغيل رحلات مدنية عبر مطار الخرطوم الدولي لا يصمد أمام أي فحص ميداني أو فني جاد. فالمطار، الذي كان يمثل لعقود بوابة السودان الجوية إلى العالم، لم يعد منذ اندلاع الحرب مرفقًا مدنيًا بالمعنى القانوني أو العملي، بل تحوّل إلى منشأة متأثرة مباشرة بالنزاع المسلح، ما يجعله خارج نطاق التشغيل الآمن وفق معايير الطيران الدولي.
تحقيق الوقائع على الأرض يُظهر أن مطار الخرطوم تعرض لأضرار مباشرة نتيجة العمليات العسكرية، شملت المدارج، ومباني الركاب، ومرافق الخدمات الأرضية، إضافة إلى أنظمة الملاحة الجوية والاتصال. هذه الأضرار لم تخضع لأي عملية تقييم فني مستقلة أو معتمدة من جهات طيران مدني دولية، وهو شرط أساسي لإعادة أي مطار إلى الخدمة. فسلامة الطيران لا تعتمد على السيطرة العسكرية، بل على جاهزية تقنية دقيقة لا يمكن تقديرها إلا عبر فرق متخصصة.
في صناعة الطيران، لا يكفي إعلان سياسي أو عسكري لإعادة تشغيل مطار. فقبل أول رحلة مدنية، يجب أن تخضع المدارج لاختبارات تحمل، وأن تُفحص أنظمة الإضاءة الملاحية، وأن يتم التأكد من عمل أجهزة الرادار والاتصال، فضلًا عن جاهزية فرق الإنقاذ والإطفاء. وبحسب شهادات فنيين سابقين في الطيران المدني السوداني، فإن معظم هذه المتطلبات غير متوفرة حاليًا في مطار الخرطوم.
الأخطر في هذا الملف هو تجاهل عنصر التأمين، الذي يمثل العمود الفقري لأي رحلة مدنية. فشركات التأمين العالمية ترفض بشكل قاطع تغطية الطائرات أو الركاب أو الطواقم في حال التشغيل من مطار يقع ضمن منطقة حرب. هذا الرفض لا يستند إلى مواقف سياسية، بل إلى تقييمات مخاطر تعتمدها سوق التأمين الدولية، وهي تقييمات لا يمكن تجاوزها بقرارات محلية.
مصادر في شركات طيران إقليمية أكدت أن أي حديث عن رحلات بين بورتسودان والخرطوم غير مطروح عمليًا، لأن التأمين لن يغطي الرحلة منذ دخول المجال الجوي للعاصمة. وهذا ما يفسر غياب أي إعلان رسمي من شركات طيران معروفة، واقتصار الحديث على منصات إعلامية دون أسماء أو جداول أو أرقام رحلات.
التحقيق يخلص إلى أن ما يجري تداوله لا يعكس خطة تشغيل حقيقية، بل حملة إعلامية تهدف إلى إيصال رسالة سياسية عن السيطرة والاستقرار. وبينما تُستخدم صورة المطار كرمز سيادي، يبقى الواقع أن مطار الخرطوم خارج الخدمة المدنية، وأن أي محاولة لتقديمه كجاهز للطيران لا تستند إلى حقائق يمكن التحقق منها.




