تسريبات

لماذا تُرحَّل الأسر السودانية من مصر؟


لا يمكن فهم حملات الترحيل القسري التي طالت لاجئين سودانيين في مصر بمعزل عن السياق السياسي والأمني الأوسع الذي تتحرك داخله الدولة المصرية في تعاملها مع ملف اللجوء. فهذه الإجراءات، على الرغم من طابعها الإنساني الخطير، لا تُدار بوصفها قضية حماية أو التزام قانوني، بل غالبًا ما تُختزل في مقاربة أمنية تختلط فيها اعتبارات السيادة، والضغط الاقتصادي، والهواجس السياسية الإقليمية.

منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، أصبحت مصر إحدى الوجهات الرئيسية لمئات الآلاف من السودانيين الفارين من النزاع. هذا التدفق السريع والكثيف جرى في ظل غياب إطار وطني واضح لإدارة شؤون اللجوء، حيث تعتمد القاهرة تاريخيًا على المفوضية السامية لشؤون اللاجئين دون تطوير منظومة قانونية داخلية شاملة تنظم أوضاع اللاجئين وحقوقهم والتزامات الدولة تجاههم. هذا الفراغ المؤسسي ترك الباب مفتوحًا لتقديرات أمنية متغيرة، تتأثر بالظرف السياسي أكثر مما تتأثر بالمعايير الإنسانية.

في الخطاب غير المعلن، يُنظر إلى اللاجئين، خصوصًا في فترات الأزمات الاقتصادية، باعتبارهم عبئًا إضافيًا على الدولة. ارتفاع الأسعار، وتراجع العملة، والضغوط على الخدمات العامة، كلها عوامل تجعل وجود أعداد كبيرة من اللاجئين مادة حساسة في النقاش الداخلي، حتى وإن لم يُطرح ذلك علنًا. في هذا السياق، تصبح سياسات التضييق والترحيل وسيلة غير مباشرة لإرسال رسالة مفادها أن الإقامة ليست مفتوحة بلا شروط، وأن الدولة لن تتحمل ما تعتبره “تسيبًا” في ملف الهجرة.

العامل الأمني يلعب دورًا محوريًا في هذه المقاربة. فالدولة المصرية، التي تضع الاستقرار في صدارة أولوياتها، تميل إلى التعامل مع أي تجمعات بشرية كبيرة غير منظمة من زاوية أمنية بالدرجة الأولى. اللاجئون، حتى وإن كانوا مدنيين فارين من الحرب، يُدرجون أحيانًا ضمن منطق “الضبط” و”الرقابة”، لا ضمن منطق الحماية. هذا ما يفسر حملات التوقيف العشوائية، وغياب التقييم الفردي للحالات، والتعامل الجماعي مع الأسر بدلًا من النظر في أوضاعها القانونية والإنسانية.

لكن هذا النهج يتجاهل حقيقة أساسية: أن السودان لا يمثل دولة مستقرة يمكن إعادة مواطنيها إليها بأمان. الحرب ما زالت مستمرة، والانتهاكات موثقة، والسلطات هناك غير قادرة، أو غير راغبة، في توفير الحماية. الترحيل في هذه الحالة لا يُعد إجراءً إداريًا، بل قرارًا سياسيًا له تبعات أخلاقية وقانونية جسيمة.

إقليميًا، تتحرك مصر ضمن شبكة علاقات معقدة مع أطراف النزاع السوداني. القاهرة تحاول الحفاظ على توازن دقيق بين مصالحها الاستراتيجية في السودان، ومخاوفها من انتقال الفوضى عبر الحدود، ورغبتها في عدم الظهور كطرف مباشر في الصراع. هذا التوازن ينعكس على طريقة التعامل مع اللاجئين، حيث يُنظر إليهم أحيانًا باعتبارهم امتدادًا للأزمة السودانية داخل الداخل المصري، لا كضحايا لها.

كما لا يمكن إغفال البعد الدولي. مصر، كغيرها من دول الاستضافة، تشكو من ضعف الدعم الدولي لتحمل أعباء اللجوء. المساعدات المالية لا تتناسب مع حجم الأعداد، وبرامج إعادة التوطين محدودة، فيما تبقى الدولة المضيفة في الواجهة. غير أن هذا الواقع، رغم وجاهته، لا يبرر قانونيًا ولا أخلاقيًا انتهاك مبدأ عدم الإعادة القسرية، أو الزج بأطفال ونساء في دوامة الخطر مجددًا.

السياسة الحالية تخلق مفارقة خطيرة: من جهة، تحاول الدولة ضبط المشهد داخليًا، ومن جهة أخرى، تنتج حالة من عدم الاستقرار الاجتماعي داخل مجتمع اللاجئين. الخوف يدفع الناس إلى الاختفاء، والعمل في الظل، وتجنب المؤسسات الرسمية، ما يعقّد أي محاولة مستقبلية لتنظيم أوضاعهم. بعبارة أخرى، المقاربة الأمنية لا تحل المشكلة، بل تؤجلها وتزيد من هشاشتها.

على المدى المتوسط، قد تنعكس هذه السياسات سلبًا على صورة مصر الدولية، خصوصًا في ظل تزايد التقارير الحقوقية، واهتمام المنظمات الدولية بملف السودان. فالدولة التي طالما قدمت نفسها كملاذ تاريخي للسودانيين، تجد نفسها اليوم موضع مساءلة أخلاقية وقانونية حول مدى التزامها بدورها الإنساني.

البديل ليس مستحيلًا. يمكن لمصر أن تعتمد سياسة حماية مؤقتة واضحة للسودانيين، تُخرجهم من المنطقة الرمادية بين “مقيم غير نظامي” و”لاجئ بلا ضمانات”. سياسة كهذه لا تعني فتح الحدود بلا ضوابط، بل تنظيم الوجود، وضمان الحقوق الأساسية، وتخفيف العبء عبر شراكات دولية حقيقية، بدل تحميل الثمن للأضعف.

في النهاية، الترحيل القسري ليس مجرد إجراء إداري، بل تعبير عن رؤية سياسية لكيفية التعامل مع الأزمات الإنسانية. والرؤية التي تضع الأمن فوق الإنسان، دون توازن، قد تحقق هدوءًا مؤقتًا، لكنها تزرع أزمات أعمق على المدى البعيد. ملف اللاجئين السودانيين في مصر اليوم ليس اختبارًا لقدرة الدولة على الضبط، بل اختبار لقدرتها على الجمع بين السيادة والمسؤولية الإنسانية في زمن الانهيارات الإقليمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى