تسريبات

الهروب من الحرب إلى المجهول: حكايات أسر سودانية واجهت الترحيل بدل الأمان


عندما خرجت الأسرة السودانية من منزلها في إحدى ضواحي القاهرة صباحًا، لم تكن تحمل معها سوى حقائب صغيرة وقلق ثقيل يسكن الصدور. الأب كان يفكر في عمله الذي بالكاد يؤمّن إيجار الغرفة، والأم في أطفالها الذين اعتادوا الذهاب إلى المدرسة، أما الأطفال فلم يكونوا يدركون أن هذا اليوم قد يكون الأخير لهم في مكان اعتقدوا، ولو مؤقتًا، أنه آمن.

هكذا تبدأ قصص كثيرة تتشابه في تفاصيلها وتختلف في نهاياتها، لكنها جميعًا تلتقي عند نقطة واحدة: الترحيل القسري. لم يكن هؤلاء الناس مجرمين، ولا متسللين بحثًا عن مغامرة، بل ناجين من حرب مزقت السودان منذ أبريل 2023، حرب لم تترك لهم خيارًا سوى الهروب.

في السودان، تركوا خلفهم بيوتًا محترقة، وأقارب مفقودين، وذكريات ثقيلة من الخوف. عبروا الحدود إلى مصر وهم يعتقدون أن الجغرافيا ستمنحهم فسحة من الأمان، وأن الزمن سيكفل لهم بداية جديدة. لكن ما واجهوه لاحقًا كان صدمة أخرى، أقل ضجيجًا من القصف، لكنها لا تقل قسوة.

حملات التوقيف والترحيل لم تفرق بين رجل وامرأة، ولا بين بالغ وطفل. في لحظة واحدة، يمكن أن تتحول الحياة اليومية إلى كابوس. اتصال هاتفي من جار، طرق مفاجئ على الباب، أو توقيف في الشارع. بعدها، تختفي الأسر عن الأنظار، ليبدأ القلق في الانتشار بين من تبقى.

الأطفال هم أول من يدفع الثمن. طفل كان يتعلم كتابة اسمه في دفتر مدرسي، يجد نفسه فجأة في مكان احتجاز لا يفهمه. الأسئلة في عينيه أكثر من الكلمات: لماذا لا أذهب إلى المدرسة؟ لماذا تبكي أمي؟ لماذا لا نعود إلى البيت؟ هذه الأسئلة لا تجد إجابة، لأنها أكبر من قدرة الطفل على الاستيعاب، وأثقل من أن تُقال.

الأمهات يحملن عبئًا مضاعفًا. بعضهن فقدن أزواجهن في الحرب، وبعضهن لا يعرفن مصيرهم حتى الآن. فكرة العودة إلى السودان ليست مجرد انتقال جغرافي، بل عودة محتملة إلى الخطر، إلى مناطق تنتشر فيها المليشيات، ويغيب فيها القانون، وتصبح المرأة أكثر عرضة للانتهاك.

الخوف لا يتوقف عند من تم ترحيلهم، بل يمتد إلى من ما زالوا ينتظرون. في الأحياء التي يقطنها السودانيون، تغيّرت ملامح الحياة. الشوارع أكثر صمتًا، والوجوه أكثر توترًا. كثيرون باتوا يعيشون في عزلة قسرية، يراقبون الأخبار، ويتناقلون الشائعات، ويحاولون تجنب أي احتكاك قد يضعهم في دائرة الخطر.

هذا الواقع خلق شرخًا نفسيًا عميقًا. اللاجئ الذي هرب من الحرب ليحمي أطفاله، يجد نفسه عاجزًا عن توفير الإحساس الأساسي بالأمان. الإحساس بأن الغد غير مضمون، وأن أي لحظة قد تحمل نهاية جديدة لرحلة لم تبدأ أصلًا.

الأخطر في كل ذلك أن الترحيل القسري يعيد هؤلاء إلى المربع الأول. السودان لم يصبح آمنًا، ولم تتوقف الانتهاكات، ولم تُفتح طرق للحماية. العودة القسرية ليست حلًا، بل تدوير للأزمة، وإعادة إنتاج للمعاناة.

القضية هنا ليست أرقامًا أو إحصاءات، بل حياة بشر. أسر حاولت أن تعيش بكرامة رغم الفقد، وأطفال حلموا بمستقبل بسيط: مدرسة، أصدقاء، لعبة. حين يُسلب منهم هذا الحلم، لا يُسلب منهم الأمان فقط، بل الإحساس بأن العالم ما زال يتسع لهم.

إن ما يعيشه السودانيون اليوم في مصر هو اختبار حقيقي لمعنى الحماية، ولمدى قدرة السياسات على رؤية الإنسان خلف الملفات. فالهارب من الحرب لا يحتاج إلى مزيد من الحدود، بل إلى مساحة تنقذه من السقوط مرة أخرى في هاوية الخوف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى