الترحيل القسري للاجئين السودانيين من مصر: انتهاك للحماية الدولية وإعادة إلى دائرة الخطر
لم تكن الأسر السودانية التي عبرت الحدود إلى مصر تتخيل أن رحلة الهروب من الحرب ستتحول إلى مسار جديد من الخوف وعدم اليقين. فبعد ما يقارب العامين من اندلاع النزاع المسلح في السودان في أبريل 2023، وما صاحبه من انتهاكات جسيمة شملت القتل خارج نطاق القانون، والتطهير العرقي، والتعذيب، والاختفاء القسري، وجد آلاف السودانيين أنفسهم أمام واقع آخر لا يقل قسوة: حملات ترحيل قسري طالت أسرًا بأكملها داخل الأراضي المصرية.
خلال الأشهر الأخيرة، تصاعدت شكاوى لاجئين سودانيين من ممارسات أمنية اتسمت بالعشوائية وغياب الضمانات القانونية، حيث جرى توقيف رجال ونساء وأطفال، بعضهم مسجلون لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وآخرون في طور التسجيل أو يحملون وثائق إقامة مؤقتة. هذه الحملات لم تقتصر على الأفراد، بل امتدت إلى أسر كاملة، بمن فيهم أطفال ملتحقون بالمدارس والجامعات، ما أدى إلى خلق حالة عامة من الذعر وانعدام الشعور بالأمان داخل مجتمع اللاجئين السودانيين في مصر.
حملات الترحيل القسري للسودانيين من مصر طالت أسر بأكملها
ممارسات السلطات المصرية طالت أسرًا بأكملها، وشبابًا، وأطفالًا ملتحقين بالمؤسسات التعليمية، ما أدى إلى خلق حالة عامة من الذعر وانعدام الشعور بالأمان بين اللاجئين، وهم الذين اضطروا إلى مغادرة السودان أصلًا هربًا من الحرب… pic.twitter.com/F01R5OUdbS— Saheeh Sudan – صحيح السودان (@SaheehSudan) January 29, 2026
تشير إفادات متطابقة إلى أن عمليات التوقيف غالبًا ما تتم دون إخطار مسبق أو توضيح قانوني، ودون تمكين المحتجزين من التواصل مع محامين أو ممثلين عن المفوضية. في بعض الحالات، تم اقتياد العائلات من منازلها أو من أماكن عملها، ونقلها إلى مراكز احتجاز مؤقتة في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من المعايير الإنسانية، قبل ترحيلها قسرًا باتجاه الحدود.
خطورة هذه الإجراءات لا تكمن فقط في كونها تمثل انتهاكًا واضحًا لحقوق اللاجئين، بل في أنها تتجاهل السياق الذي فرّ منه هؤلاء الأشخاص أصلًا. فالسودان لا يزال يشهد نزاعًا مسلحًا واسع النطاق، مع تقارير موثقة عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، لا سيما في إقليم دارفور ومناطق أخرى. إعادة هؤلاء قسرًا تعني تعريضهم لخطر حقيقي ومباشر، وهو ما يتعارض مع مبدأ عدم الإعادة القسرية المنصوص عليه في القانون الدولي للاجئين.
مصر، بوصفها دولة طرفًا في اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين وبروتوكولها لعام 1967، ملتزمة قانونًا بعدم إعادة أي شخص إلى بلد قد يتعرض فيه للاضطهاد أو الخطر الجسيم. كما أن الدستور المصري ذاته ينص على احترام المواثيق الدولية لحقوق الإنسان. ومع ذلك، تبدو الممارسات على الأرض منفصلة عن هذه الالتزامات، ما يطرح تساؤلات جدية حول آليات اتخاذ القرار، ودور الجهات المعنية بحماية اللاجئين.
الجانب الإنساني للأزمة يتجلى بوضوح في مصير الأطفال. كثير من الأطفال السودانيين الذين شملتهم حملات الترحيل كانوا قد بدأوا مسارًا تعليميًا في المدارس المصرية أو في مبادرات تعليمية أنشأها المجتمع السوداني نفسه. انقطاعهم المفاجئ عن التعليم، وتهديد مستقبلهم النفسي والاجتماعي، يمثل انتهاكًا مضاعفًا، لا يقتصر على حقهم في الحماية، بل يمتد إلى حقهم في التعليم والحياة الكريمة.
النساء أيضًا كنّ من بين الفئات الأكثر تضررًا. بعضهن أرامل أو معيلات لأسر فقدت عائلها في الحرب، ويواجهن الآن خطر الإعادة إلى مناطق قد تتعرض فيها النساء لانتهاكات جسيمة، بما في ذلك العنف القائم على النوع الاجتماعي. هذه الوقائع تبرز غياب أي تقييم فردي للحالات، وهو عنصر أساسي في أي إجراء قانوني يتعلق باللجوء.
حالة الخوف التي يعيشها اللاجئون انعكست في سلوكهم اليومي. كثيرون باتوا يتجنبون الخروج من منازلهم، أو إرسال أطفالهم إلى المدارس، أو مراجعة المستشفيات، خشية التوقيف. هذا الوضع لا يهدد فقط سلامتهم الفردية، بل يخلق بيئة من الهشاشة الاجتماعية قد تؤدي إلى أزمات أوسع.
المنظمات الحقوقية طالبت مرارًا بوقف حملات الترحيل القسري، وضمان احترام الإجراءات القانونية الواجبة، والتنسيق الكامل مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين. كما دعت إلى منح السودانيين وضع حماية مؤقتة يتناسب مع حجم الكارثة الإنسانية في بلدهم.
في ظل استمرار الحرب في السودان، يصبح أي ترحيل قسري بمثابة حكم غير معلن بالمخاطرة بحياة أناس فرّوا طلبًا للأمان. إن معالجة هذه القضية لا تتطلب فقط التزامًا قانونيًا، بل رؤية إنسانية تدرك أن اللاجئ ليس عبئًا أمنيًا، بل إنسان فقد وطنه ويبحث عن الحد الأدنى من الحماية.




