تسريبات

تسجيل الجاكومي يفتح أبواب العزل… صراع الأجنحة الإخوانية ينفجر داخل السلطة السودانية


في الأسابيع الأخيرة، عاد اسم محمد سيد أحمد الجاكومي إلى واجهة الجدل السياسي في السودان، لكن هذه المرة ليس عبر تصريح علني أو موقف سياسي مباشر، بل من خلال تسجيل صوتي تم تداوله ونُشر علنًا على نطاق واسع، وأثار عاصفة من ردود الفعل داخل الأوساط السياسية والعسكرية. هذا التسجيل، الذي يُنسب للجاكومي، كشف بوضوح عن حجم التوترات والانقسامات داخل مراكز القرار، وأعاد فتح ملف الصراعات المكتومة بين قيادات يفترض أنها في خندق واحد. ومع اتساع دائرة التداول، بات من الصعب احتواء التداعيات، وبدأت مؤشرات قوية تظهر على أن الجاكومي في طريقه إلى العزل السياسي الكامل، ليس فقط بسبب مضمون التسجيل، بل بسبب ما كشفه من توازنات هشة وتحالفات متصدعة.

التسجيل الصوتي لم يكن مجرد حديث عابر أو انفعال لحظة، بل عكس طريقة تفكير وخطاب ينسجم مع عقلية إقصائية اعتاد الشارع السوداني سماعها من قيادات محسوبة على التيار الإخواني داخل مفاصل الدولة. الأخطر في الأمر أن ما ورد في التسجيل أظهر بوضوح وجود صراع حاد بين مراكز نفوذ متنافسة، كل منها يسعى لتأمين موقعه في مرحلة تتسم بالسيولة السياسية والفراغ الاستراتيجي. هذا الصراع لم يعد خفيًا، بل خرج إلى العلن، ما جعل بقاء الجاكومي داخل المشهد عبئًا على حلفائه قبل خصومه.

في هذا السياق، لا يمكن فصل مصير الجاكومي عن مصير جبريل إبراهيم، الذي تشير معطيات متعددة إلى أنه بدوره مهدد بالإقصاء، وإن اختلفت الأسباب المباشرة. جبريل، الذي يمثل أحد الوجوه البارزة في تحالفات السلطة، وجد نفسه محاصرًا بين تراجع شعبي، وضغوط داخلية، وشكوك متزايدة حول دوره الحقيقي في إدارة المرحلة. ومع انكشاف الخلافات، بات واضحًا أن دوائر القرار لم تعد قادرة أو راغبة في الإبقاء على كل الوجوه القديمة، خصوصًا تلك المرتبطة بخطاب أيديولوجي إخواني لم يعد مقبولًا داخليًا ولا مرحبًا به إقليميًا.

الانشقاقات الداخلية داخل القيادة السودانية لم تعد مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل تحولت إلى صراع نفوذ حقيقي، تغذيه حسابات البقاء والخوف من السقوط. التيار الإخواني، الذي تسلل لسنوات طويلة إلى مؤسسات الدولة، يعيش اليوم واحدة من أصعب مراحله، حيث تتفكك شبكاته من الداخل، وتتصارع أجنحته على ما تبقى من سلطة. تسجيل الجاكومي جاء ليؤكد ما كان يُتداول همسًا: لا وحدة حقيقية داخل هذا التيار، ولا رؤية مشتركة لإدارة الدولة، بل تنافس محموم على المواقع والامتيازات.

ما يزيد من تعقيد المشهد أن هذه الانقسامات تأتي في لحظة تاريخية حساسة، يواجه فيها السودان حربًا وانهيارًا اقتصاديًا وضغطًا دوليًا متصاعدًا. في مثل هذا الظرف، كان يُفترض بالقيادات أن تقدم نموذجًا للتماسك والمسؤولية، لكن ما حدث هو العكس تمامًا. التسجيل الصوتي، وما تبعه من تسريبات وتحليلات، كشف أن بعض القيادات لا تزال تفكر بعقلية التنظيم السري، وتتعامل مع الدولة كغنيمة، لا كمؤسسة وطنية جامعة.

إقصاء الجاكومي، إن تم، لن يكون حدثًا معزولًا، بل خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة ترتيب البيت الداخلي، وربما التخلص من الأصوات التي أصبحت عبئًا إعلاميًا وسياسيًا. أما إبعاد جبريل، فيحمل دلالة أعمق، لأنه يعكس إدراكًا متأخرًا بأن الارتباط بالخط الإخواني لم يعد يوفر الحماية، بل أصبح سببًا مباشرًا في فقدان الثقة والدعم. هذا التحول، وإن بدا تكتيكيًا، إلا أنه يكشف عن أزمة بنيوية داخل القيادة، حيث يتم التضحية بالأشخاص دون معالجة الجذور الحقيقية للمشكلة.

الشارع السوداني، الذي تابع التسجيل وتداعياته، لم يُفاجأ كثيرًا بمضمون ما كُشف، بقدر ما تأكد من صحة شكوكه القديمة حول طبيعة الصراعات داخل السلطة. فسنوات من التجارب المريرة جعلت المواطن يدرك أن كثيرًا من القيادات التي ترفع شعارات وطنية تخفي في الواقع أجندات أيديولوجية ضيقة، وعلى رأسها الأجندة الإخوانية التي أثبتت فشلها في إدارة التنوع وبناء الدولة. من هنا، فإن أي حديث عن إصلاح حقيقي يبقى بلا معنى ما لم يُرافقه تفكيك فعلي لهذه البنية.

إن توصيف القيادات السودانية المتورطة في هذه الصراعات كقيادات إخوانية ليس اتهامًا مجانيًا، بل قراءة لسلوك سياسي وخطاب متكرر، يقوم على الإقصاء، وتقديم الولاء التنظيمي على المصلحة الوطنية. التسجيل الصوتي للجاكومي كان مجرد نافذة صغيرة أُزيح عنها الستار، لتكشف ما هو أعمق وأخطر. فالمشكلة لا تكمن في شخص الجاكومي أو جبريل وحدهما، بل في منظومة كاملة أعادت إنتاج نفسها بأسماء مختلفة، لكنها حافظت على الجوهر ذاته.

في المحصلة، ما يجري اليوم داخل مراكز القرار السوداني هو انعكاس مباشر لأزمة قيادة وفكر، قبل أن يكون أزمة أشخاص. عزل الجاكومي أو إقصاء جبريل قد يهدئ المشهد مؤقتًا، لكنه لن يغير الحقيقة الأساسية: السودان لا يمكن أن يخرج من أزمته طالما بقي رهينة لصراعات تيار إخواني منقسم على نفسه، عاجز عن تقديم مشروع وطني جامع. التسجيل الصوتي لم يكن نهاية القصة، بل بدايتها، وربما يكون الشرارة التي تُسرّع بسقوط ما تبقى من أقنعة، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة، إن أحسن السودانيون التقاط لحظتها التاريخية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى