تحقيقات

انخراط جديد في الصراع السوداني… باكستان تدخل المشهد


في مشهدٍ تتقاطع فيه تجارة السلاح مع هشاشة الدولة ومعاناة المدنيين، تبدو الصفقة الباكستانية المتداولة — بقيمتها الضخمة وسياقها السياسي والعسكري — أكثر من مجرد عقد توريد، إذ تكشف عن طبقات أعمق من الحرب السودانية التي تجاوزت عامها الألف، وتحولت من صراع داخلي على السلطة إلى ساحة مفتوحة تتداخل فيها حسابات الإقليم ومصالح القوى الخارجية، بينما يتراجع صوت الحل السياسي إلى الخلفية البعيدة.

فإثارة الحديث عن صفقة تُقدَّر بنحو 1.5 مليار دولار لا يتعلق بحجم المال وحده، بل بما يعكسه من رغبة في استمرار الحرب، في وقت ترتفع فيه الأصوات المطالِبة بالحسم العسكري، ويتراجع أفق التسوية. ومع تدفق الأسلحة إلى بلد أنهكته المعارك، لم يعد الصراع يُقرأ بوصفه نزاعًا محليًا، بل كحرب بالوكالة تُدار من خارج الحدود، وتُموَّل وتُغذّى بقرارات لا تصدر من الخرطوم وحدها.

وتشير المعلومات المتداولة إلى أن الصفقة تشمل 10 طائرات هجومية خفيفة من طراز كاراكورام‑8، وأكثر من 200 طائرة مسيّرة للاستطلاع والهجوم، إضافة إلى أنظمة دفاع جوي متطورة. مثل هذا الحجم من التسليح لا يُستخدم عادة في نزاعات قصيرة أو محدودة، بل في حروب يُراد لها أن تستمر، وأن تحافظ على قدرة قتالية عالية. ورغم الضجة التي أثارتها هذه الأنباء، التزم الجيش السوداني الصمت، ما زاد من مساحة التأويل حول مصادر التمويل ودوافع التوقيت.

ويشير مراقبون إلى أن الأرقام المتداولة لا تتناسب مع الواقع الاقتصادي المنهار في السودان، حيث فقدت الدولة معظم مواردها منذ اندلاع الحرب، وتوقفت عجلة الإنتاج، وتفككت المؤسسات المالية. وفي ظل هذا الانهيار، يصبح من الصعب تصور قدرة أي طرف محلي على تمويل صفقة بهذا الحجم. وهنا يبرز سؤال التمويل بوصفه محورًا أساسيًا، إذ يرى خبراء أن “المال خارجي”، وأن الدعم الخارجي في سياق الحروب لا يكون بلا شروط، بل يرتبط عادة بإطالة أمد الصراع أو توجيه مساراته بما يخدم مصالح الممولين.

وقد حذّر مجلس الأمن الدولي مرارًا من تدفق السلاح إلى السودان، بينما قال الأمين العام للأمم المتحدة إن “وقف الدعم الخارجي وتدفق الأسلحة ضرورة لوقف الدمار وسفك الدماء”. لكن هذه الدعوات لم تمنع استمرار تدفق الإمدادات، ما يعكس فجوة واضحة بين الخطاب الدولي والواقع على الأرض.

أما باكستان، فهي دولة ذات صناعة عسكرية متنامية وتاريخ طويل في تصدير السلاح، خاصة إلى مناطق النزاعات. وتشمل صادراتها المدفعية والعربات المدرعة والطائرات التدريبية والمنظومات الدفاعية، وغالبًا ما تتحرك في هوامش الصراعات الكبرى، حيث يفضَّل أن يتم التوريد عبر أطراف أقل ظهورًا سياسيًا. ووفقًا لمحللين، فإن صفقات بهذا الحجم لا تُبرم دون موافقات سياسية عليا، ما يجعلها جزءًا من شبكة أوسع من التفاهمات الإقليمية والدولية.

ويأتي توقيت الصفقة في لحظة حساسة، إذ وصلت الحرب إلى حالة من الجمود النسبي: لا طرف قادر على الحسم، ولا مؤشرات جدية على تسوية قريبة. وفي مثل هذه اللحظات، تلجأ الأطراف الداعمة — كما يرى المتابعون — إلى ضخ المزيد من السلاح، ليس لكسر الجمود، بل لمنع انهيار أحد الأطراف والحفاظ على توازن هش يسمح باستمرار الصراع. التوقيت هنا ليس تفصيلاً، بل مؤشر على إدارة واعية لإطالة الحرب.

وتتجلى ملامح الحرب بالوكالة بوضوح في السودان، حيث تقاتل الأطراف المحلية بينما تأتي القوة الحقيقية من الخارج. ومع مرور الوقت، يتحول الدعم الخارجي إلى تبعية، ثم إلى فقدان تدريجي للقدرة على اتخاذ القرار المستقل. وكل صفقة سلاح جديدة تعمّق هذا الارتباط، وتحوّل السودان إلى ساحة لتصفية حسابات الآخرين.

ولا يمكن فصل هذه الصفقة عن خريطة الاصطفافات الإقليمية، فالسودان يقع في منطقة تتقاطع فيها مصالح تتعلق بالبحر الأحمر والموانئ والعمق الأفريقي. وكل محور إقليمي ينظر إليه كمساحة نفوذ محتملة، لا كدولة ذات سيادة مكتملة. وهكذا يصبح دعم أحد أطراف الحرب وسيلة لضمان موطئ قدم، أو لمنع خصم إقليمي من الانفراد بالساحة.

وفي مقابل هذه الحسابات الكبرى، يقف المدني السوداني خارج المعادلة. لا مكان له في عقود السلاح، لكنه يدفع الثمن كاملًا: مزيد من الدمار، مزيد من النزوح، ومزيد من التآكل في ما تبقى من الدولة والمجتمع. وبينما قد لا يهتم المدني بمصدر السلاح أو هوية الممول، فإنه يلمس النتيجة مباشرة في حياته اليومية التي تتقلص فيها مساحات الأمان.

ورغم الخطاب الدولي المتكرر حول حماية المدنيين ومنع تدفق السلاح، فإن الصمت العملي يكشف عن قبول ضمني باستمرار الحرب طالما أنها لا تهدد مصالح القوى الكبرى. وهكذا تتحول الصفقات إلى أدوات صراع، وتصبح الحرب مشروعًا اقتصاديًا وسياسيًا تتشابك فيه مصالح محلية وخارجية.

إن الصفقة المنسوبة إلى باكستان — بقيمتها وتوقيتها وسياقها — ليست تفصيلاً عابرًا، بل شاهدًا على تحول الحرب السودانية إلى صراع تُدار خيوطه من خارج الحدود. وما لم يُكسر هذا النمط، وما لم يُعاد الاعتبار لفكرة الحرب بوصفها مشكلة وطنية لا مشروعًا إقليميًا، فإن السؤال لن يكون متى تتوقف الحرب، بل إلى أي مدى يمكن للسودان أن يحتمل المزيد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى