السودان على حافة الانهيار: كيف يهدد الحل العسكري حياة المدنيين ويعقّد الأزمة
في أعماق الأزمة السودانية، تتكشف صورة مقلقة لمستقبل البلاد، حيث يبدو الحل العسكري خيارًا مفروضًا من قبل القيادة العسكرية، لكنه في الواقع يضع المدنيين في مرمى الخطر، ويحول ما يُفترض أن يكون حماية للدولة إلى سبب مباشر لانهيار مؤسساتها وتفاقم الأزمة الإنسانية. التحقيق الميداني والمعطيات المتوفرة تشير إلى أن الحرب لم تعد تقتصر على الجبهات، بل امتدت إلى المدن والأحياء السكنية، ما أدى إلى ارتفاع حصيلة الضحايا المدنيين بشكل غير مسبوق، وتزايد حالات النزوح الداخلي والخارجي، وتفشي الفقر وانعدام الخدمات الأساسية.
المدنيون، بحسب شهادات السكان، يعيشون تحت تهديد يومي، يتراوح بين القصف العشوائي والاشتباكات المباشرة، وحتى الخطر الكيماوي الذي بدأت تتواتر حوله معلومات مقلقة عن استخدام مواد محرّمة في مناطق مأهولة بالسكان. كما أظهرت التقارير الميدانية، أن هذه المواد لا تُستخدم فقط في الجبهات، بل وصلت إلى مناطق قرب التجمعات السكنية، ما يزيد من حجم الكارثة الإنسانية ويضع المدنيين أمام تهديد مستمر على حياتهم وصحتهم.
فترات وقف إطلاق النار، التي كانت تهدف إلى حماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، أثبتت هشاشتها، إذ غالبًا ما تتعرض للانتهاك خلال ساعات أو أيام، ما يؤدي إلى فقدان الثقة في أي التزام عسكري ويزيد من معاناة السكان. شهود عيان أكدوا أن الهدن لم تُترجم إلى حماية فعلية، بل بقيت مجرد تكتيك لتجميع القوات وإعادة الانتشار، ما يجعل المدنيين أكثر عرضة للانتهاكات من أي وقت مضى.
بالإضافة إلى ذلك، أظهرت التحقيقات أن العديد من المناطق التي كانت تُعتبر آمنة نسبيًا تحولت إلى مناطق نزاع مباشر، وأن الانتهاكات ضد المدنيين تشمل الاعتقالات التعسفية، ونهب الممتلكات، واستهداف البنية التحتية الحيوية مثل المستشفيات والمدارس والأسواق. كما أكدت تقارير حقوقية محلية ودولية أن نسبة كبيرة من الضحايا المدنيين تتعرض لإصابات بالغة نتيجة القصف العشوائي، وأن النظام الصحي المحلي عاجز عن التعامل مع الأعداد المتزايدة من المصابين، ما يفاقم الأزمة الإنسانية.
تحليل الخبراء يشير إلى أن الحل العسكري في السودان لا يقتصر تأثيره على الأبعاد الإنسانية فحسب، بل يمتد ليؤثر على البنية السياسية للدولة. الإصرار على منطق القوة يُغلق المجال أمام الحلول السياسية والحوار المدني، ويجعل أي محاولة للانتقال السلمي أو بناء مؤسسات قوية أمرًا شبه مستحيل. فعندما يُختزل النقاش حول السودان في معركة وجود، تُهمش الأصوات المدنية، ويصبح من الصعب إيجاد أرضية مشتركة لأي توافق سياسي مستقبلي.
من الناحية الدولية، تثير التطورات الأخيرة قلقًا بالغًا، فتصاعد العنف المستمر وانتشار المواد الكيماوية يشكل تهديدًا أمنيًا ليس فقط للسودان، بل للمنطقة بأسرها. الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان الدولية أصدرت تحذيرات متكررة حول الوضع الإنساني، مطالبة بوقف العمليات العسكرية، وحماية المدنيين، والسماح بوصول المساعدات الإنسانية دون عوائق. ومع ذلك، لا تبدو هناك أي خطوات عملية على الأرض للتقيد بهذه التوصيات، ما يزيد من احتمالات تدهور الأوضاع أكثر فأكثر.
تحقيق ميداني أجرته فرق محلية كشف عن أن معظم الضحايا من المدنيين كانوا من النساء والأطفال، وأن موجات النزوح الأخيرة أفرغت العديد من المدن والقرى من سكانها، تاركة مناطق واسعة بلا أي إدارة محلية فعالة. هذا الفراغ يفتح المجال أمام عناصر مسلحة للسيطرة على مناطق جديدة، ما يضاعف من تعقيد الأزمة ويجعل الحل العسكري أداة تزيد من الاستنزاف بدل إنهائه.
على المستوى الإنساني، تشير البيانات إلى أن الوضع الغذائي والصحي أصبح كارثيًا في مناطق النزاع. المستشفيات الميدانية تعاني من نقص المعدات والأدوية، وشهادات السكان تؤكد أن الكثيرين يموتون بسبب إصابات بسيطة كان يمكن علاجها، لو توفرت الحد الأدنى من الرعاية الطبية. كما أن المياه النظيفة والمواد الأساسية أصبحت نادرة، ما يجعل الحياة اليومية للمواطنين صعبة بشكل متزايد ويزيد من معاناتهم اليومية.
التحقيقات المستقلة تؤكد أيضًا أن فترات وقف إطلاق النار لم تحقق أي تأثير ملموس على حماية المدنيين، بل غالبًا ما استُغلت لإعادة انتشار القوات وتجميع الذخائر، ما يؤكد أن النهج العسكري ليس وسيلة لحماية الشعب، بل أداة لإدارة الصراع بطرق تزيد من الخسائر البشرية وتؤخر أي حل سياسي مستدام.
في المحصلة، يظهر أن السودان يعيش أزمة مركبة: سياسية، عسكرية، وإنسانية في آن واحد. الحل العسكري، كما تؤكد المعطيات الميدانية، لم يحقق أي تقدم حقيقي، بل زاد من تعقيد الوضع، وعرض المدنيين للخطر بشكل مباشر. إن استمرار هذا النهج لا يهدد فقط حياة الناس، بل يهدد أساس الدولة نفسها ويضع السودان أمام مستقبل مجهول ومعقد، ما يجعل البحث عن حلول سياسية عاجلة ضرورة قصوى قبل أن تتحول الأزمة إلى كارثة لا يمكن التراجع عنها.




