تسريبات

64 شهيداً في قصف مسير على مستشفى الضعين.. اتهامات مباشرة للجيش السوداني وسط إنكار وإدانات أممية


في صباح يوم 21 مارس 2026، وبعد ساعات قليلة من انتهاء أول أيام عيد الفطر، أصدر مدير منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس بياناً رسمياً عبر منصة إكس أكد فيه أن المنظمة قد تحققت ميدانياً من هجوم استهدف مستشفى الضعين التعليمي في عاصمة ولاية شرق دارفور، أسفر عن مقتل 64 شخصاً على الأقل، بينهم 13 طفلاً، وطبيب واحد، وممرضتان، إلى جانب مرضى مدنيين آخرين، وإصابة 89 شخصاً بجروح متفاوتة الخطورة، من بينهم 8 من الكوادر الطبية. وأشار البيان إلى أن الهجوم ألحق أضراراً جسيمة بأقسام طب الأطفال، والنساء والولادة، والطوارئ، مما أدى إلى تعطيل المستشفى بالكامل وانقطاع الخدمات الطبية الأساسية عن آلاف السكان في المنطقة.



هذه الحصيلة، التي اعتمدتها منظمة دولية محايدة، تُعد من أبرز المؤشرات على طبيعة الحادث، لكن التحقيقات الميدانية والشهادات المباشرة من سكان الضعين وكوادر طبية ناجين، إضافة إلى تقارير منظمات حقوقية محلية مثل “محامو الطوارئ” و”شبكة أطباء السودان”، تُظهر صورة أكثر تفصيلاً وإدانة. فقد أكدت هذه المصادر أن الهجوم نفذ بواسطة طائرات مسيرة تابعة للقوات المسلحة السودانية، وأن الصواريخ أصابت مباشرة الأقسام الحساسة المذكورة دون وجود أي أهداف عسكرية داخل المبنى أو في محيطه القريب جداً. ووصفت “محامو الطوارئ” الحادث بأنه “مجزرة مدنية متعمدة”، مشيرة إلى أن نوعية الاستهداف – تركيز النيران على عنابر الأطفال والنساء – يستبعد أي ادعاء بالخطأ العسكري.

في السياق العسكري الأوسع، تسيطر قوات الدعم السريع على مدينة الضعين منذ أشهر طويلة ضمن سيطرتها على معظم مناطق دارفور، بينما يحاول الجيش السوداني استعادة السيطرة عبر حملة جوية مكثفة تعتمد بشكل أساسي على المسيرات – غالباً من طراز “بيرقدار” أو “أكينجي” المقدمة من شركاء خارجيين. وتشير تقارير ميدانية متعددة إلى أن هذا الهجوم جاء بعد زيارة لجنة أمن الولاية الموالية للدعم السريع للمستشفى في نفس اليوم لتقديم التهاني بعيد الفطر ودعم مالي لجرحى القتال، مما يعزز الفرضية بأن الاستهداف كان انتقامياً أو يهدف إلى تعطيل الخدمات المدنية في المناطق الخاضعة لسيطرة الخصم.

النفي الرسمي الصادر عن القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية جاء سريعاً، حيث أكدت أنها “قوة نظامية ملتزمة بالقوانين الدولية”، واتهمت قوات الدعم السريع بـ”تزييف الحقائق” و”ارتكاب مثل هذه الجرائم سابقاً”، مشيرة إلى هجمات مزعومة على مستشفيات في مناطق أخرى مثل الأبيض والدلنج. لكن هذا النفي يصطدم بعدة عوامل تجعل الرواية الرسمية أقل إقناعاً: أولاً، عدم تقديم أي دليل مادي أو صور أقمار صناعية تثبت وجود هدف عسكري داخل المستشفى أو بجواره المباشر؛ ثانياً، تكرار نمط الضربات الجوية على مرافق مدنية في مناطق تسيطر عليها الدعم السريع، كما وثقته منظمة الصحة العالمية نفسها في تقارير سابقة (213 هجوماً موثقاً على مرافق صحية منذ أبريل 2023، أودت بحياة أكثر من 2036 شخصاً)؛ ثالثاً، شهادات ناجين ومسعفين أكدوا أن الصواريخ أصابت الأقسام المذكورة بدقة عالية، مما يشير إلى استهداف متعمد وليس خطأ في التصويب.

من الناحية القانونية الدولية، يُصنف استهداف منشأة طبية محمية – كالمستشفيات التي تحمل الإشارات الطبية الدولية – جريمة حرب وفق اتفاقيات جنيف (البروتوكول الإضافي الأول، المادة 8)، ما لم يُثبت أنها استُخدمت لأغراض عسكرية مباشرة، وهو أمر لم يقدم عليه أي دليل حتى الآن. وفي حال ثبتت العمدية، يرقى الأمر إلى جريمة ضد الإنسانية إذا كان جزءاً من هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد المدنيين، كما يرى مراقبون حقوقيون في سياق الحرب السودانية الطويلة.

الآثار الإنسانية لهذا الهجوم تتجاوز الأرقام المباشرة. فقد كان مستشفى الضعين التعليمي المرجع الرئيسي لأكثر من نصف مليون نسمة في شرق دارفور والمناطق المجاورة، ويعاني السكان أصلاً من نقص حاد في الدواء والمعدات بسبب الحصار والقتال. توقف المستشفى عن العمل يعني حرمان النساء الحوامل والأطفال المرضى والمصابين بإصابات الحرب من الرعاية الأساسية، مما يرفع مخاطر الوفيات غير المباشرة بشكل كبير. وأفادت تقارير محلية أن عمليات الإنقاذ استمرت لأكثر من 48 ساعة، مع بقاء جثث تحت الأنقاض، ونقل بعض الجرحى إلى مراكز بديلة في مدن بعيدة غير مجهزة.

في الأيام التالية للحادث، تصاعدت الإدانات الدولية والمحلية. دعت الأمم المتحدة ومنظمات مثل “كير” و”أطباء بلا حدود” إلى تحقيق مستقل فوري، بينما أصدرت أحزاب سياسية سودانية مثل حزب المؤتمر السوداني بيانات شديدة اللهجة وصفت الهجوم بـ”جريمة حرب مكتملة الأركان”. في المقابل، ظل الجيش يتمسك بروايته دون تقديم أدلة مضادة، مما يعزز الشكوك حول مسؤوليته.

هذا الحادث ليس معزولاً، بل يأتي ضمن سلسلة طويلة من الانتهاكات التي ارتكبتها القوات المسلحة السودانية في سياق الحرب، من قصف عشوائي لأحياء سكنية إلى استهداف بنى تحتية مدنية، مروراً بتقارير موثقة عن استخدام أسلحة محظورة وتجويع مناطق بأكملها. ومع استمرار الصراع دون أفق سياسي واضح، يبقى المدنيون – وخاصة في دارفور – الضحية الأكبر، حيث تتحول المستشفيات من ملاذات للشفاء إلى أهداف عسكرية مباشرة.

في النهاية، تظل الحقيقة الكاملة بحاجة إلى تحقيق دولي مستقل يشمل الوصول إلى الموقع والشهود والأدلة المادية. لكن حتى ذلك الحين، تبقى صور الركام والأطفال الضحايا والكوادر الطبية القتلى شاهداً دامغاً على حجم الانتهاك الذي وقع في ليلة عيد، ودليلاً إضافياً على أن الحرب في السودان قد تجاوزت كل الحدود الأخلاقية والقانونية المعروفة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى