تحقيقات

واشنطن ترفض الطلب السوداني وتضع شروطاً سياسية


رفضت وزارة الخزانة الأميركية طلباً رسمياً تقدّمت به السلطات السودانية في بورتسودان لإعادة دمج النظام المصرفي السوداني ضمن المنظومة المالية العالمية، في خطوة تعكس استمرار العزلة الاقتصادية التي يواجهها السودان في ظل الحرب المستمرة وتعقيدات المشهد السياسي الداخلي. ويأتي هذا الرفض في وقت تسعى فيه الحكومة السودانية إلى استعادة الحد الأدنى من الاستقرار المالي وفتح قنوات التعاون مع المؤسسات الدولية، بعد تدهور حاد في البنية الاقتصادية نتيجة النزاع المسلح.

وبحسب مصادر مطلعة، فإن المسؤولين الأميركيين أبلغوا الجانب السوداني خلال اجتماعات الربيع في واشنطن بأن الظروف الحالية لا تسمح بإعادة ربط السودان بالنظام المالي الدولي، رغم ما قدمته السلطات من عروض تتعلق بإصلاحات مالية وإجراءات تنظيمية قالت إنها نُفذت خلال فترة الحرب. وأوضحت المصادر أن اللقاء الذي جمع نائب مدير شؤون أفريقيا في وزارة الخزانة الأميركية، باتريك ستيوارت، بمحافظ بنك السودان، آمنة ميرغني، تطرق بشكل مباشر إلى مسألة إعادة دمج القطاع المصرفي، غير أن الرد الأميركي جاء حاسماً بالرفض.

ويعكس هذا الموقف تمسك واشنطن بشروط سياسية وأمنية واضحة قبل المضي في أي خطوات نحو إعادة تأهيل السودان مالياً، إذ شدد المسؤول الأميركي على ضرورة إنهاء الحرب بشكل كامل، والتوصل إلى اتفاق سلام شامل، إلى جانب تشكيل حكومة انتقالية بقيادة مدنية تتمتع بالمصداقية والاستقرار. كما أشار إلى أن هذه المتطلبات تعد مدخلاً أساسياً لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، بما في ذلك صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، اللذين يلعبان دوراً محورياً في دعم الاقتصادات المتعثرة.

ويُنظر إلى هذا الرفض على أنه رسالة سياسية بقدر ما هو قرار اقتصادي، إذ يربط المجتمع الدولي بشكل متزايد بين الاستقرار السياسي الداخلي وإمكانية الانفتاح الاقتصادي الخارجي. فغياب سلطة مدنية موحدة، واستمرار النزاع بين الأطراف العسكرية، يضعفان من قدرة السودان على الالتزام بالإصلاحات المطلوبة ويثيران مخاوف بشأن الشفافية وإدارة الموارد.

وفي السياق ذاته، يأتي هذا التطور بعد يوم واحد فقط من إعلان الادعاء العام في ولاية كاليفورنيا عن توقيف مواطنة إيرانية تحمل إقامة دائمة في الولايات المتحدة، على خلفية اتهامات تتعلق بالتوسط في صفقة يُشتبه في ارتباطها بتزويد الجيش السوداني بمعدات عسكرية، من بينها طائرات مسيرة وذخائر. ورغم أن التحقيقات لا تزال جارية، فإن توقيت الإعلان ألقى بظلاله على المشهد، وأثار تساؤلات حول طبيعة العلاقات العسكرية والتمويل الخارجي المرتبط بالنزاع في السودان.

ويرى مراقبون أن تزامن الحدثين قد يعزز من تشدد الموقف الأميركي تجاه السودان، خاصة في ظل الحساسية العالية المرتبطة بملفات نقل التكنولوجيا العسكرية والتعاون مع أطراف خارجية تخضع لرقابة دولية. كما أن أي شبهات تتعلق بخرق العقوبات أو الالتفاف على القيود المفروضة قد تؤدي إلى مزيد من التعقيدات أمام مساعي الخرطوم لإعادة الاندماج في النظام المالي العالمي.

اقتصادياً، يواجه السودان تحديات كبيرة تتفاقم مع استمرار الحرب، حيث يعاني القطاع المصرفي من ضعف السيولة، وانقطاع العلاقات مع البنوك المراسلة، وصعوبة إجراء التحويلات الدولية. كما أن تراجع الثقة في النظام المصرفي المحلي أدى إلى زيادة الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي، ما يقلل من قدرة الدولة على ضبط السياسات المالية والنقدية.

وكانت السلطات السودانية قد حاولت خلال الأشهر الماضية تقديم نفسها كشريك قادر على تنفيذ إصلاحات تدريجية، شملت إعادة تنظيم بعض المؤسسات المالية، وتعزيز الرقابة على العمليات المصرفية، إلا أن هذه الجهود لم تلقَ صدى كافياً لدى الأطراف الدولية، التي ترى أن أي إصلاحات اقتصادية لن تكون فعالة في غياب استقرار سياسي وأمني شامل.

من جهة أخرى، يضع استمرار العزلة المالية السودان أمام خيارات محدودة، حيث يصبح من الصعب الحصول على التمويل الخارجي أو جذب الاستثمارات، كما تتراجع فرص إعادة الإعمار في ظل غياب الدعم الدولي. ويؤدي ذلك إلى زيادة الضغوط على العملة المحلية، وارتفاع معدلات التضخم، وتدهور الأوضاع المعيشية للسكان.

ويؤكد محللون أن إعادة دمج السودان في النظام المالي العالمي تتطلب مساراً متكاملاً لا يقتصر على الإصلاحات الاقتصادية فقط، بل يشمل أيضاً بناء مؤسسات حكم فعالة، وتحقيق توافق سياسي داخلي، وضمان بيئة آمنة للاستثمار. كما أن استعادة الثقة الدولية تحتاج إلى التزام واضح بالمعايير المالية العالمية، ومكافحة الفساد، وتعزيز الشفافية في إدارة الموارد.

في ظل هذه المعطيات، يبدو أن الطريق أمام السودان لاستعادة موقعه في النظام المالي الدولي لا يزال طويلاً ومعقداً، حيث تتداخل العوامل السياسية والأمنية مع التحديات الاقتصادية، ما يجعل أي تقدم مرهوناً بتحقيق اختراق حقيقي في ملف السلام وتشكيل سلطة مدنية مستقرة. وحتى ذلك الحين، ستبقى البلاد تواجه عزلة مالية تضغط على اقتصادها وتحد من قدرتها على التعافي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى