أحداث

ميليشيات الإخوان في السودان.. حجر عثرة أمام السلام وداعم خفي للحرب


تتزايد المؤشرات على الدور المحوري الذي تلعبه الجماعات الجهادية الإسلامية في الحرب الدائرة بالسودان، حيث تعد كتيبة البراء بن مالك واحدة من أبرز التشكيلات العسكرية التي تحارب إلى جانب القوات المسلحة السودانية. ومع تنامي نفوذها، تبرز مخاوف محلية ودولية من تأثيرها على مستقبل السودان، خاصة في ظل ارتباطها بالحركة الإسلامية السودانية وتنظيم الإخوان المسلمين، الذين تُوجه إليهم اتهامات مباشرة بإشعال الحرب وإطالة أمدها.

منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، انخرطت هذه الكتائب الإسلامية في المعارك، مستفيدة من ضعف الدولة والانقسامات داخل المؤسسة العسكرية السودانية، مما منحها فرصة لتعزيز نفوذها العسكري والسياسي. ويثير هذا التحالف العسكري بين الجيش وهذه الجماعات الجهادية تساؤلات حول مدى قدرة السودان على تحقيق تسوية سلمية حقيقية، في ظل وجود فصائل مسلحة تسعى لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وإعادة إحياء مشروع “الجهاد الإسلامي” تحت غطاء العمل العسكري.

كتيبة البراء بن مالك: من تنظيم المظاهرات إلى القتال المسلح

ظهرت كتيبة البراء بن مالك للمرة الأولى بعد سقوط نظام عمر البشير، حيث كانت تنشط في تنظيم المظاهرات المناهضة للحكومة الانتقالية تحت لافتة “الزحف الأخضر”، التي كانت تمثل الوجه الجديد للحركة الإسلامية بعد ثورة ديسمبر 2019. لكن الكتيبة لم تلبث أن تحولت إلى كيان عسكري منظم، مستفيدًا من الانقلاب الذي قاده الجيش السوداني في 25 أكتوبر 2021، والذي أعاد جزءًا من نفوذ الإسلاميين إلى الساحة السياسية والعسكرية.

وفي الأشهر التي سبقت الحرب، بدأت الكتيبة في تنظيم اجتماعات سرية داخل الخرطوم وأم درمان والخرطوم بحري، حيث لوحظ أن عناصرها يتحركون مسلحين في مناسبات اجتماعية وسياسية دون تدخل من السلطات. وفي نوفمبر 2021، تم إنشاء أول صفحة رسمية للكتيبة على “فيسبوك”، ومنذ ذلك الوقت بدأت نشاطاتها تتوسع بشكل لافت، حيث جرى تقسيم أعضائها إلى خلايا منظمة تعمل في عدة مناطق داخل العاصمة السودانية.

مع اندلاع الحرب، أعلنت الكتيبة رسميًا انخراطها في القتال إلى جانب القوات المسلحة السودانية، ونشر قائدها المصباح أبوزيد طلحة منشورًا على “فيسبوك” يؤكد استلامهم أسلحة من مخازن الجيش، حتى قبل أن تصدر أوامر التعبئة الرسمية لمقاتلي الاحتياط. كما ظهرت مقاطع فيديو تُظهر قواتها وهي تتلقى تدريبات في معسكر “نسور الاحتياطي المركزي”، الذي يُعد واحدًا من أهم مراكز استقطاب المقاتلين الإسلاميين.

ورغم أن التسليح الأساسي للكتيبة يقتصر على الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، إلا أن تقارير إعلامية تحدثت عن محاولات قادتها الحصول على أسلحة نوعية وطائرات مسيرة، وهو ما قد يعزز قدراتها في المواجهات المستقبلية.

الإسلاميون والعلاقة المعقدة مع الجيش السوداني

تشير تصريحات كبار قادة الجيش السوداني إلى وجود تباينات داخلية حول العلاقة مع الإسلاميين، خاصة بعد دخول ميليشيات الجهاديين إلى ساحة القتال. ففي 29 مارس 2024، قال نائب قائد الجيش شمس الدين الكباشي إن مجموعات مثل كتيبة البراء “تحتاج إلى سيطرة أفضل”، وهو تصريح يعكس إدراك الجيش لخطورة هذه الكتائب على المدى البعيد.

من جانبه، أقر رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان في وقت سابق بأن نشاط كتيبة البراء أصبح يثير قلق المجتمع الدولي، مشيرًا إلى أن الجيش يسعى للحد من نفوذها. لكن رغم هذه التصريحات، فإن الوقائع على الأرض تشير إلى أن الإسلاميين أصبحوا جزءًا أساسيًا من الاستراتيجية العسكرية للجيش، حيث يقاتلون في وحدات منتشرة داخل سلاح المدرعات، السلاح الطبي، سلاح المهندسين، والاحتياطي المركزي.

لكن مع تزايد الضغوط الدولية، وانحياز بعض الحركات الدارفورية إلى صف الجيش، بدأ التوتر بين القوات المسلحة وهذه المجموعات الجهادية يظهر إلى العلن، خصوصًا أن الإسلاميين فشلوا في تحقيق اختراق عسكري حاسم ضد قوات الدعم السريع، مما أضعف موقفهم داخل الجيش.

وعلاوة على ذلك، فإن تصاعد التوترات الإقليمية، خاصة بعد دخول إيران كطرف غير مباشر في النزاع السوداني، يثير تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الكتائب الإسلامية قد تتلقى دعمًا خارجيًا، خاصة في ظل النشاط المتزايد للحوثيين في اليمن، والتصعيد العسكري بين طهران وتل أبيب في المنطقة.

مستقبل الحرب في ظل تنامي دور الإسلاميين

في ظل هذه التطورات، من الواضح أن الجماعات الجهادية المرتبطة بالإخوان المسلمين تمثل أكبر عقبة أمام أي تسوية سلمية في السودان، حيث تستفيد من الوضع الأمني الهش والصراعات الداخلية لتعزيز حضورها العسكري والسياسي. وبينما تسعى القوات المسلحة إلى توظيف هذه المجموعات كأداة عسكرية، فإنها تدرك في الوقت نفسه أن نفوذها المتزايد قد يصبح خطرًا على مستقبل الجيش والدولة السودانية ككل.

لكن السؤال الأهم: هل يستطيع الجيش السوداني الاستغناء عن هذه الكتائب؟ أم أنه سيجد نفسه في مواجهة جديدة معها إذا قرر التخلي عنها؟

المرحلة المقبلة قد تكون حاسمة في تحديد مصير هذه الجماعات، خاصة مع تزايد الضغوط الدولية التي قد تدفع الجيش إلى إعادة النظر في تحالفه معها، وهو ما قد يؤدي إلى تصاعد الصراع داخل معسكر القوات المسلحة نفسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى