لاجئون بلا أمان كيف أعادت سياسات الترحيل السودانيين إلى دائرة الخوف
لم يكن السودانيون الذين عبروا الحدود إلى مصر يبحثون عن حياة مرفهة أو فرص استثنائية، بل عن ملاذ مؤقت يقيهم ويلات حرب دمّرت مدنهم وقراهم، وبددت إحساسهم بالأمان. غير أن واقع الترحيل القسري أعاد طرح سؤال جوهري: ماذا يعني أن يهرب الإنسان من الحرب ليجد نفسه مهددًا بالعودة إليها؟
الحرب في السودان لم تكن مجرد صراع عسكري تقليدي، بل أزمة إنسانية شاملة. مدن دُمّرت، أحياء فرغت من سكانها، وملايين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها بلا مأوى. في هذا السياق، أصبحت الهجرة القسرية خيارًا وحيدًا لكثير من الأسر، خاصة تلك التي تضم أطفالًا أو كبار سن.
عند الوصول إلى مصر، حاول السودانيون إعادة ترتيب حياتهم بأبسط الإمكانيات. استأجروا غرفًا صغيرة، أنشأوا مبادرات تعليمية لأطفالهم، وانخرطوا في أعمال متواضعة لتأمين لقمة العيش. لكن حملات الترحيل القسري جاءت لتقوّض هذا الاستقرار الهش، ولتزرع شعورًا دائمًا بأن الأمان مؤقت وقابل للزوال في أي لحظة.
الترحيل القسري لا يؤثر فقط على من يتم ترحيلهم، بل على مجتمع اللاجئين ككل. الخوف ينتشر بسرعة، ويحوّل الحياة اليومية إلى سلسلة من الحسابات الدقيقة: متى أخرج؟ إلى أين أذهب؟ هل أرسل أطفالي إلى المدرسة؟ هذا النوع من القلق المستمر يترك آثارًا نفسية عميقة، خصوصًا لدى الأطفال الذين عاشوا تجربة الحرب ثم النزوح ثم التهديد بالترحيل.
سياسيًا، تعكس هذه الإجراءات إشكالية أوسع في تعامل الدول مع أزمات اللجوء. فبدل النظر إلى اللاجئين بوصفهم ضحايا صراع يحتاجون إلى الحماية، يتم أحيانًا التعامل معهم كأرقام أو عبء اقتصادي وأمني. هذه المقاربة تختزل الإنسان في ملف إداري، وتتجاهل السياق الذي دفعه إلى الهروب أصلًا.
العودة القسرية إلى السودان في ظل استمرار الحرب لا تمثل حلًا، بل تعيد إنتاج المأساة. فاللاجئ الذي يُعاد إلى بيئة غير آمنة قد يجد نفسه مضطرًا للنزوح مرة أخرى، أو عرضة لانتهاكات جسيمة. وهكذا تدخل الأزمة في حلقة مفرغة، يكون ضحيتها الأضعف دائمًا.
من جهة أخرى، لا يمكن تجاهل أن الدول المستضيفة تواجه تحديات حقيقية، من ضغوط اقتصادية إلى نقص الدعم الدولي. غير أن معالجة هذه التحديات عبر الترحيل القسري تفتح الباب أمام أزمات إنسانية جديدة، وتضعف الثقة بين اللاجئين والمؤسسات الرسمية، ما يصعّب أي إدارة مستقبلية للملف.
إن قضية اللاجئين السودانيين في مصر ليست مسألة داخلية فحسب، بل اختبار لمنظومة الحماية الدولية برمتها. فحين تفشل هذه المنظومة في توفير دعم كافٍ للدول المستضيفة، وفي الوقت نفسه تعجز عن حماية اللاجئين، يصبح الجميع خاسرًا.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: كيف يمكن تحقيق توازن بين متطلبات الدولة وحقوق الإنسان؟ الإجابة لا تكمن في الإجراءات القسرية، بل في سياسات واضحة، وتعاون دولي فعلي، ورؤية إنسانية تدرك أن اللاجئ ليس خطرًا، بل إنسان فقد وطنه ويبحث عن فرصة للنجاة.




