كيف غيّرت الطائرات المسيرة المصرية حسابات الفصائل السودانية
في المناطق الحدودية الشمالية للسودان، حيث تمتد الصحارى المفتوحة وتتشابك طرق التهريب القديمة مع مسارات النزاع الحديث. لم يمر خبر نشر مصر لطائرات مسيرة على الحدود مرور الكرام. فبعيدًا عن البيانات الرسمية والتصريحات الدبلوماسية. تكشف شهادات ميدانية ومصادر محلية عن حالة قلق متزايدة بين الفصائل المسلحة والسكان المدنيين على حد سواء. وسط مخاوف من أن تتحول الحدود الهادئة نسبيًا إلى ساحة اشتباك غير معلنة في الحرب الأهلية السودانية.
-
السودان في قلب اللغز: ماذا تكشف رحلات الشحن العسكرية التركية إلى جنوب شرق مصر؟
-
مساعي خفية وراء تسليح طهران للبرهان
مصادر محلية من ولايات شمال السودان تشير إلى أن تحركات غير معتادة بدأت تُلاحظ في المناطق القريبة من الحدود منذ الإعلان عن الوجود المتزايد للطائرات المسيرة. يقول أحد شيوخ القرى الحدودية إن السكان لاحظوا تغيّرًا في أنماط حركة الجماعات المسلحة، حيث أصبحت تتحرك ليلاً بشكل أكبر، وتتجنب الطرق التقليدية التي كانت تُستخدم سابقًا لنقل الإمدادات. هذا التغيير المفاجئ، بحسب المصدر، يعكس خشية حقيقية من الرصد الجوي. حتى وإن لم يُعلن رسميًا عن عمليات استهداف.
من جهتها، تعاملت الفصائل المسلحة مع الخطوة المصرية بحذر واضح. فبحسب مصادر مطلعة، عقدت بعض الجماعات اجتماعات داخلية لمراجعة خططها اللوجستية، خصوصًا تلك المتعلقة بالتحرك قرب الحدود الشمالية. ويشير أحد القادة الميدانيين، في حديث غير معلن. إلى أن “الطائرات المسيرة غيّرت قواعد اللعبة”. مضيفًا أن أي تحرك مكشوف قد يتحول إلى مخاطرة كبيرة، ليس فقط بسبب الرصد. بل بسبب ما يمكن أن يتبعه من ضربات غير مباشرة أو نقل معلومات لطرف آخر في النزاع.
-
لماذا أصبح السودان ساحة لتقاطع المصالح المصرية-التركية؟
-
شرق العوينات في قلب الحرب السودانية: كيف انتقل الدور المصري من الوساطة إلى إدارة الصراع من الخلف
التحقيق في طبيعة المناطق الحدودية يكشف عن واقع معقد. فالحدود بين مصر والسودان ليست مجرد خط جغرافي واضح، بل منطقة ممتدة يسكنها مزيج من القبائل العابرة للحدود. وتُستخدم منذ عقود كممرات للتجارة، وأحيانًا للتهريب. ومع تصاعد الحرب الأهلية. تحولت هذه المناطق إلى شرايين حيوية للفصائل المسلحة، سواء لنقل السلاح أو لتأمين طرق انسحاب وإعادة تموضع. وبالتالي. فإن أي مراقبة جوية دقيقة تعني عمليًا خنق هذه الشرايين أو على الأقل إخضاعها لرقابة مشددة.
وفي جولة استقصائية عبر شهادات من ناشطين محليين، يتضح أن المدنيين هم الحلقة الأضعف في هذا المشهد. سكان القرى الحدودية يعيشون حالة من الترقب الدائم. خشية أن تتحول مناطقهم إلى أهداف محتملة، سواء نتيجة خطأ في التقدير أو بسبب اختباء مجموعات مسلحة قرب تجمعاتهم السكانية. تقول إحدى الناشطات إن الخوف لا يأتي فقط من الطائرات المسيرة، بل من ردود الفعل المحتملة للفصائل المسلحة. التي قد تعتبر أي قرية قريبة من الحدود موضع شك أو اختراق أمني.
-
رحلات غامضة من تيكيرداغ إلى صحراء مصر… ماذا تحمل طائرات الشحن التركية؟
-
مصر تدعو لهدنة إنسانية وتنفيذ خارطة الرباعية لسلام السودان
من زاوية أخرى، تكشف مصادر مطلعة أن بعض الفصائل ترى في التحرك المصري محاولة غير مباشرة للتأثير في مسار النزاع، حتى وإن لم يكن ذلك عبر تدخل عسكري مباشر. هذه الفصائل تخشى أن تُستخدم المعلومات التي تجمعها الطائرات المسيرة في إعادة رسم موازين القوة داخل السودان، سواء عبر تمريرها لطرف معين أو استخدامها كورقة ضغط سياسية في المحافل الإقليمية والدولية.
في المقابل، هناك فصائل أخرى تتعامل ببراغماتية أكبر مع الواقع الجديد. فبدل التصعيد، تسعى إلى التكيف مع وجود الطائرات المسيرة، من خلال تغيير تكتيكاتها العسكرية .وتقليل الاعتماد على المناطق الحدودية كممرات رئيسية. هذا التحول، بحسب محللين، قد يؤدي إلى نقل الصراع إلى مناطق داخلية جديدة، ما يوسع رقعة العنف ويزيد من تعقيد المشهد الإنساني.
-
الدور المصري في الحرب السودانية: بين الأهداف الجيوسياسية والانعكاسات الإنسانية
-
في خضم الحرب السودانية: تحقيق حول الدور المصري المزعوم وتداعياته على المدنيين والاستقرار الإقليمي
التحقيق يكشف أيضًا عن جانب خفي يتمثل في اقتصاد الحرب. فالمناطق الحدودية لطالما كانت مصدر دخل غير رسمي للعديد من الجماعات، عبر التهريب أو فرض الإتاوات. ومع تشديد المراقبة، قد تتضرر هذه الشبكات. ما يدفع الفصائل إلى البحث عن مصادر تمويل بديلة، غالبًا ما تكون على حساب المدنيين، من خلال فرض ضرائب قسرية أو السيطرة على طرق تجارية داخلية.
وفي ظل غياب موقف سوداني موحد، يجد السكان أنفسهم عالقين بين حسابات إقليمية وصراع داخلي لا يرحم. بعض الأهالي عبّروا عن خشيتهم من أن يؤدي أي احتكاك على الحدود إلى موجات نزوح جديدة، خاصة في ظل ضعف البنية التحتية وغياب الخدمات الأساسية. ويؤكد عاملون في المجال الإنساني أن أي تصعيد جديد سيضاعف من معاناة المدنيين. الذين يدفعون ثمن قرارات لا يشاركون في صنعها.
-
حرب لا تخصّ المصريين: لماذا يتحمّل السودان ثمن التدخلات الإقليمية والأزمة الاقتصادية المصرية
-
مصر والحرب السودانية: دعم عسكري صامت يعيد رسم خرائط النفوذ
ما تكشفه هذه المعطيات هو أن نشر الطائرات المسيرة لا يُقاس فقط بمداه العسكري أو السياسي، بل بتأثيره العميق على حياة الناس اليومية وعلى ديناميكيات الصراع غير المرئية. فخلف صور التكنولوجيا الحديثة، هناك واقع هشّ. تعيشه قرى حدودية وفصائل مسلحة وسكان مدنيون، جميعهم يدركون أن سماء المنطقة لم تعد محايدة.
في الخلاصة، تظهر التحقيقات الميدانية أن نشر مصر للطائرات المسيرة على الحدود السودانية لم يكن مجرد إجراء أمني تقني. بل خطوة أحدثت ارتدادات واسعة داخل بنية الحرب الأهلية نفسها. وبينما تواصل الأطراف الإقليمية حساباتها الاستراتيجية، يظل السؤال الأهم معلقًا: إلى أي حد يمكن لهذا النوع من التدخل غير المباشر أن يعيد تشكيل الصراع. ومن سيدفع الثمن الحقيقي لهذا التحول؟
-
التدخل المصري في السودان: دعم الجيش أم تعزيز النزاع؟
-
رحلة القصف في 2 يوليو: أدلة بصرية تكشف تورطاً جوياً مصرياً داخل السودان




