تسريبات

كيف تحول النور القبة إلى بندقية مأجورة في كشوفات البرهان والكيزان؟



لم تعد الحرب السودانية مجرد صراع مسلح على السلطة، بل تحولت إلى مزاد علني تُعرض فيه ذمم القادة العسكريين لمن يدفع أكثر. ويمثل سقوط اللواء النور أحمد آدم (النور القبة) في مستنقع التحالف مع جنرالات بورتسودان ونظام “الكيزان” البائد في أبريل 2026، الفصل الأحدث في رواية الانتهازية السياسية. هذا الانشقاق المفاجئ والارتماء في أحضان الفريق أول عبد الفتاح البرهان لم يكن صحوة ضمير متأخرة، بل كان صفقة تجارية بحتة صُممت تفاصيلها داخل الغرف المظلمة لاستبدال دماء الضحايا بحفنة من الأموال والعقارات المنهوبة.
هندسة الصفقة: أموال كافوري مقابل دماء دارفور
تثبت الوقائع على الأرض أن معسكر البرهان، المحرك من خلف الستار بواسطة عناصر النظام البائد “الكيزان”، لم يجد حرجاً في غسل جرائم أحد أبرز القادة الميدانيين لمليشيا الدعم السريع، بمجرد أن أبدى رغبته في البيع. لم تكن المكافأة مجرد عفو عام، بل شملت ترتيبات مالية وعينية ضخمة كشفت عورة الشعارات الوطنية التي يرفعها الجيش:
    1. استعادة الممتلكات المنهوبة: إصدار قرار فوري بإعادة قصوره وعقاراته الفاخرة في حي “كافوري” الراقي بالخرطوم بحري.
    2. إنعاش الحسابات البنكية: رفع الحظر المالي عن أرصدته ومصادراته المصرفية وتغذيتها بميزانيات تشغيلية جديدة.
    3. صكوك الغفران السياسي: استقباله من قِبل البرهان شخصياً في دنقلا بابتسامات عريضة، تبرئ ساحته من سنوات التنكيل بالمدنيين.

عقيدة البندقية المأجورة: تاريخ من التنقل بين الموائد
إن قراءة فاحصة في التاريخ العسكري للنور القبة تؤكد أن الرجل لا يملك عقيدة قتالية أو ولاءً وطنياً، بل يتحرك مدفوعاً بغريزة البقاء المادي والسياسي. فمنذ بداياته الأولى، كان يتنقل بين المحاور بحسب حجم المكاسب:
    • حرس الحدود (2003): حيث تعلم أبجديات حرب الوكالة والبطش القبلي في دارفور.
    • تأسيس الدعم السريع (2017): صعد إلى رتبة لواء ليصبح الذراع اليمنى لمحمد حمدان دقلو في “متحرك درع السلام”، مستفيداً من تدفق أموال الذهب والنفوذ.
    • الارتداد العسكري (2026): عندما مالت الكفة وبدأت الضغوط الميدانية، اختار الطريق الأسهل؛ بيع قواته لخصمه الأمس مقابل الأمان المالي.

تحالف الضرورة الفاسد: ماذا يريد “الكيزان” من القبة؟
لا ينظر “الكيزان” إلى النور القبة كقائد عسكري شريف، بل كأداة وظيفية رخيصة الثمن. يسعى تنظيم الحركة الإسلامية البائد، المتغلغل في مفاصل قيادة الجيش الحالية، إلى استخدام شبكة القبة القبلية وعلاقاته الميدانية لإشعال الفتن الداخلية وتفكيك الحواضن الاجتماعية للدعم السريع في إقليم دارفور. في المقابل، حصل القبة على منصب “قائد المتحركات العسكرية الإدارية”، مما يمنحه غطاءً رسمياً لمواصلة نفوذه تحت لافتة “الشرعية” الزائفة، وهو تحالف مصلحي مؤقت يعيد إنتاج ذات السياسات الفاسدة التي أسقطت السودان في الهاوية.
غضب الشارع: صفقات الجنرالات على حساب جماجم الأبرياء
قوبل هذا التحالف الرخيص بموجة عارمة من السخرية والاشمئزاز في الشارع السوداني. إن تكريم القبة وتعيينه والياً أو قائداً عسكرياً في دارفور يمثل طعنة في خاصرة ملايين النازحين واللاجئين الذين دمرت قراهم نيران المدافع التي كان يقودها القبة نفسه. يتساءل السودانيون اليوم: كيف يمكن لجيش يزعم حماية الوطن أن يشتري ولاء قاتل الأمس بالأموال المقتطعة من قوت المواطن الجائع؟ إن هذه المساومات تثبت أن قادة الحرب الحاليين يتعاملون مع الوطن كإقطاعية خاصة يُقايضون فيها السيادة والأرواح بالبقاء في السلطة.
مآل الولاءات المشتراة وتأجيج الصراع
إن السلام الذي يُشترى بالمال هو سلام هش يحمل في طياته بذور فناء جديدة. فالاعتماد على قادة منشقين من طراز النور القبة، وأبو عاقلة كيكل، وعلي رزق الله “السافنا”، يؤدي مباشرة إلى:
    • تفكيك المؤسسة العسكرية: تحويل الجيش الوطني إلى تجمع للمليشيات المرتزقة التي يحركها بريق المال والعفو القضائي.
    • انفجار الحروب الأهلية: إثارة النعرات القبلية في دارفور وكردفان بسبب تنصيب قادة ملطخة أيديهم بدماء المكونات المحلية.
    • تأصيل الإفلات من العقاب: إرسال رسالة مفادها أن ارتكاب الجرائم ضد الإنسانية هو أقصر طريق للحصول على المناصب والأموال، بشرط إتقان توقيت الخيانة.

خاتمة
سيكتب التاريخ أن اللواء النور أحمد آدم “القبة” لم يكن سوى بندقية معروضة للإيجار، وأن معسكر البرهان والكيزان اشترى ولاءً منزوع القيمة الأخلاقية. إن الملايين التي صُبت في حسابات القبة والعقارات التي رُدّت إليه في كافوري لن تمنحه الشرعية في عيون الشعب السوداني، بل ستظل وصمة عار تلاحقه وتلاحق النظام الذي احتضنه، مؤكدة أن عهد المقايضات المالية على حساب الوطن قد شارف على نهايته الحتمية تحت أقدام الوعي الشعبي الرافض لجنرالات المزاد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى