عودة حزينة إلى الخرطوم.. منازل منهوبة وذكريات مدمرة
في بلد أنهكته الحرب ودفعت سكانه إلى أطراف الشتات، يعود كثيرون إلى الخرطوم مع اقتراب عيد الفطر ليجدوا أن البيوت التي تركوها ذات يوم لم تعد سوى هياكل صامتة، تحمل آثار الدمار والنهب أكثر مما تحمل ذكرياتهم. فالعيد، الذي كان مناسبة للدفء الاجتماعي ولمّ الشمل، يتحول هذا العام إلى مواجهة مباشرة مع واقع قاسٍ، حيث لا يجد العائدون سوى منازل خاوية لا تصلح للسكن، ومدينة فقدت ملامحها الأساسية.
وتكشف شهادات عديدة أن العودة لم تكن خيارًا سهلاً، بل نتيجة ضغوط معيشية وتشديد في شروط الإقامة خارج البلاد، ما دفع كثيرين إلى اتخاذ قرار العودة رغم معرفتهم بأن الخرطوم لم تعد كما كانت. بعضهم اتجه إلى ولايات أخرى بحثًا عن مأوى مؤقت، بينما حاول آخرون استئجار مساكن بديلة ريثما يتمكنون من إصلاح منازلهم التي طالها الخراب.
ويصف عائدون مشاهد الدمار بأنها صادمة، إذ وجدوا منازلهم وقد نُهبت بالكامل، من الأثاث إلى الأجهزة الكهربائية والمقتنيات التي جمعوها على مدى سنوات طويلة من العمل والادخار. ويقول أحدهم إن المنزل الذي كان يمثل ثمرة سنوات من الاغتراب “تحول إلى بيت أشباح”، وإن العودة إليه في الوقت الراهن “مستحيلة”، نظرًا لحاجته إلى مبالغ ضخمة لإعادته إلى وضع يسمح بالسكن. ويشير آخرون إلى أنهم اضطروا للعودة إلى منازل أسرهم في الولايات، في انتظار أن يتمكنوا من جمع ما يكفي لإعادة الإعمار، بينما اضطر بعض أفراد الأسر إلى الاغتراب مجددًا لتأمين تكاليف الإصلاح.
وتتكرر هذه الروايات مع كثيرين فقدوا ممتلكاتهم ومحالهم التجارية، بعدما خرجوا من الخرطوم على أمل أن تهدأ الحرب سريعًا، لكن استمرارها أطاح بمدخراتهم ومصادر رزقهم. ويقول أحد العائدين إن محلاته التجارية “سُرقت ودُمّرت”، وإنه لم يعد يملك سوى انتظار توقف الحرب ليبدأ من جديد.
وتعكس هذه القصص الفردية جزءًا من صورة اقتصادية أكثر اتساعًا. فوفقًا لتقارير حكومية، بلغت خسائر الاقتصاد السوداني نحو 108 مليارات دولار، بينما قدّرت وزارة الزراعة خسائر القطاع الزراعي بأكثر من 10 مليارات دولار خلال عامين فقط، بعد تدمير ونهب الأصول الرأسمالية ومحطات البحوث الزراعية. كما تكبد القطاع المصرفي خسائر هائلة، إذ “تآكلت موجودات المصارف بمبلغ يقدر بـ45 تريليون جنيه”، وخرجت أكثر من 400 منشأة صناعية من دائرة الإنتاج، في وقت فقدت فيه الدولة أكثر من 80% من إيراداتها العامة، لتصل تقديرات الخسائر الإجمالية إلى 300 مليار دولار.
وفي ظل هذا الانهيار، يصبح عيد الفطر مناسبة تكشف هشاشة الواقع أكثر مما تخفف من وطأته. فالعائدون الذين كانوا يأملون في استعادة جزء من حياتهم يجدون أنفسهم أمام منازل تحتاج إلى سنوات من الإصلاح، واقتصاد لا يوفر لهم فرصًا للبدء من جديد، ومدينة فقدت بنيتها الأساسية. ومع ذلك، يظل العيد بالنسبة لهم مساحة صغيرة للتشبث بالأمل، ومحاولة لإعادة بناء ما يمكن إنقاذه من حياة مزقتها الحرب.
لكن هذه العودة القسرية تطرح أيضًا أسئلة أوسع حول مسؤولية الدولة والمجتمع الدولي تجاه ملايين السودانيين الذين فقدوا منازلهم ومصادر رزقهم. فإعادة الإعمار ليست مجرد عملية هندسية، بل مشروع اجتماعي وسياسي يتطلب استقرارًا وموارد وإرادة سياسية، وهي عناصر تبدو بعيدة المنال في ظل استمرار الحرب. ومع ذلك، فإن قصص العائدين تكشف عن رغبة عميقة في استعادة الحياة، حتى لو كانت البداية من الصفر.
وفي بلد يعيش واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في تاريخه، يصبح العيد — رغم كل شيء — لحظة للتذكير بأن الخراب ليس قدرًا نهائيًا، وأن العودة، مهما كانت مؤلمة، هي الخطوة الأولى نحو استعادة ما فقدته الحرب من بيوت وذكريات وكرامة إنسانية.




