تسريبات

سيناريوهات مستقبل العلاقة بين السودان وإثيوبيا في ظل تعقيدات ملف تيغراي وتوازنات القرن الأفريقي


تقف العلاقات بين السودان وإثيوبيا أمام مرحلة مفصلية قد تحدد مسارها لسنوات طويلة قادمة، في ظل تداخل عوامل داخلية وإقليمية معقدة تعيد تشكيل البيئة الاستراتيجية في منطقة القرن الأفريقي. ومع تصاعد الحديث عن إعادة تموضع سياسي وأمني من جانب الخرطوم، بما في ذلك الانفتاح على قوى إثيوبية معارضة مثل الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، تبرز تساؤلات متزايدة حول الاتجاه الذي قد تسلكه العلاقة بين البلدين خلال السنوات الخمس المقبلة، وما إذا كانت ستتجه نحو التهدئة والتعاون، أم نحو تصاعد التنافس والصراع غير المباشر.

المؤشرات الحالية تعكس حالة من الحذر الاستراتيجي المتبادل، حيث يسعى كل طرف إلى تعزيز موقعه دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. هذا التوازن الدقيق يعكس إدراكًا مشتركًا لكلفة الصراع المباشر، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والداخلية التي تواجه البلدين. لكن في الوقت نفسه، فإن غياب الثقة الكاملة واستمرار الملفات الخلافية دون حلول نهائية يبقيان الباب مفتوحًا أمام سيناريوهات متعددة، تتراوح بين الاستقرار النسبي والتصعيد التدريجي.

السيناريو الأول، وهو الأكثر تفاؤلًا، يتمثل في عودة تدريجية إلى مسارات التهدئة عبر الحوار السياسي والتنسيق الأمني. وقد يدفع الضغط الاقتصادي والإنساني في كلا البلدين إلى تبني هذا المسار، خاصة إذا ما تم تفعيل وساطات إقليمية أو دولية تركز على الملفات العملية مثل إدارة الحدود، والتعاون التجاري، والربط الكهربائي. في هذا السيناريو، قد يتم احتواء ملف تيغراي ضمن الإطار الداخلي الإثيوبي، مع التزام الأطراف الإقليمية بعدم الانخراط في ترتيبات قد تؤثر على استقرار الأقاليم الفيدرالية.

السيناريو الثاني يتمثل في استمرار الوضع الحالي، حيث تبقى العلاقات في حالة توتر منخفض الحدة دون الوصول إلى انفراج أو تصعيد كبير. ويعتمد هذا السيناريو على إدارة الخلافات عبر سياسات الردع المتبادل، بما في ذلك تعزيز الوجود العسكري على الحدود، وتوسيع شبكات العلاقات الإقليمية، واستخدام أدوات الضغط السياسي والدبلوماسي. وفي هذا الإطار، قد تستمر الاتصالات غير المباشرة مع قوى داخل إثيوبيا أو السودان كجزء من استراتيجية احترازية دون أن تتحول إلى دعم ميداني أو تدخل مباشر.

أما السيناريو الثالث، وهو الأكثر تعقيدًا، فيتمثل في تصاعد التنافس إلى مستوى الصراع غير المباشر. وقد يحدث ذلك في حال تفاقمت الخلافات حول ملفات حساسة مثل الحدود أو المياه، أو إذا تطورت الأوضاع الداخلية في أي من البلدين بشكل يدفع إلى تصدير الأزمات نحو الخارج. وفي هذا السياق، قد يتحول ملف تيغراي إلى أحد عناصر الضغط المتبادل، ما قد يؤدي إلى توترات أمنية أوسع داخل إثيوبيا ويزيد من هشاشة الاستقرار الإقليمي.

السيناريو الرابع والأقل احتمالًا لكنه الأكثر خطورة يتمثل في حدوث مواجهات حدودية محدودة تتطور نتيجة سوء تقدير أو حادث ميداني. فالمناطق الحدودية، خاصة تلك التي تشهد انتشارًا عسكريًا مكثفًا، تبقى عرضة لاحتكاكات غير مقصودة قد تتصاعد بسرعة في ظل غياب آليات فعالة لإدارة الأزمات. مثل هذا التطور قد يؤدي إلى توتر واسع النطاق، حتى وإن لم يصل إلى مستوى الحرب الشاملة.

العوامل التي ستحدد أي من هذه السيناريوهات سيتحقق ترتبط بعدة متغيرات رئيسية. أول هذه المتغيرات هو الوضع الداخلي في السودان، حيث إن استقرار المؤسسات السياسية والأمنية سيلعب دورًا حاسمًا في تحديد قدرة الخرطوم على تبني سياسة خارجية مستقرة وطويلة المدى. كما أن تطورات المشهد الداخلي في إثيوبيا، خاصة في الأقاليم التي شهدت نزاعات خلال السنوات الماضية، ستؤثر بشكل مباشر على مستوى الحساسية تجاه أي تحركات إقليمية.

العامل الثاني يتمثل في الضغوط الاقتصادية، التي قد تدفع الطرفين نحو التعاون بدلًا من التصعيد. فالأزمات المالية وارتفاع تكاليف المعيشة والحاجة إلى الاستثمارات الخارجية تجعل من الاستقرار الإقليمي شرطًا أساسيًا لأي تعافٍ اقتصادي. وفي حال أدركت القيادتان أن التوتر يهدد فرص التنمية، فقد يكون ذلك دافعًا قويًا نحو تبني سياسات أكثر براغماتية.

أما العامل الثالث فيرتبط بالدور الإقليمي والدولي، حيث يمكن للوساطات أو المبادرات الاقتصادية المشتركة أن تسهم في تخفيف التوتر وبناء الثقة. كما أن اهتمام القوى الدولية باستقرار منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي قد يدفعها إلى لعب دور أكبر في منع التصعيد وتشجيع الحلول السياسية.

في المقابل، هناك عوامل قد تدفع نحو الاتجاه المعاكس، من بينها تصاعد الخطاب الإعلامي المتوتر، أو استخدام الملفات الأمنية لأغراض سياسية داخلية، أو غياب قنوات التواصل المباشر بين المؤسسات العسكرية والأمنية في البلدين. مثل هذه العوامل قد تزيد من احتمالات سوء الفهم وتدفع نحو سياسات أكثر تشددًا.

من زاوية أوسع، فإن مستقبل العلاقة بين السودان وإثيوبيا لن يؤثر فقط على البلدين، بل على مجمل التوازنات في منطقة القرن الأفريقي. فاستقرار العلاقات بينهما يمثل عنصرًا أساسيًا في أمن الحدود، وحركة التجارة، ومشاريع الطاقة الإقليمية، فضلًا عن تأثيره على إدارة الأزمات في الدول المجاورة.

وفي هذا السياق، قد يشكل ملف تيغراي اختبارًا مهمًا لطبيعة السياسات الإقليمية خلال السنوات المقبلة. فإذا تم التعامل معه ضمن إطار احترام السيادة وعدم التدخل، فقد يسهم ذلك في تعزيز الاستقرار. أما إذا تحول إلى أداة ضمن استراتيجيات الضغط المتبادل، فقد يصبح أحد عوامل التوتر المستمر في المنطقة.

في النهاية، تبدو السنوات الخمس المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت منطقة القرن الأفريقي ستتجه نحو مرحلة من التهدئة وإعادة البناء، أم نحو نمط طويل من التنافس منخفض الحدة. وبين هذين المسارين، يبقى الخيار الأكثر استدامة هو تعزيز المصالح المشتركة وبناء آليات لإدارة الخلافات، إدراكًا بأن كلفة الصراع في بيئة إقليمية هشة ستكون أعلى بكثير من أي مكاسب سياسية أو استراتيجية قصيرة المدى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى