تسريبات

زيارة دبرصيون للسودان: سيناريوهات سياسية وتأثيرات على العلاقات الثنائية والإقليمية


شكل وصول رئيس الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، دبرصيون جبر ميكائيل، إلى السودان علامة فارقة على صعيد العلاقات السودانية-الإثيوبية، وأثار تساؤلات واسعة حول المستقبل السياسي والأمني للحدود المشتركة والتوازنات الإقليمية في القرن الأفريقي. فهذه الزيارة ليست مجرد حدث عابر، بل خطوة استراتيجية تحمل في طياتها أبعادًا سياسية وعسكرية ودبلوماسية قد تعيد تشكيل ملامح العلاقة بين الخرطوم وأديس أبابا.

من منظور العلاقات الثنائية، يمثل تواجد دبرصيون على الأراضي السودانية تحديًا للحكومة الإثيوبية، إذ يمكن للسودان استخدام هذا الملف كورقة ضغط ضمن مفاوضات تتعلق بالحدود، المياه، والأمن الحدودي. فالخرطوم، من خلال توفير بيئة آمنة للمعارضة الإثيوبية، يضع نفسه في موقف يمكنه من التأثير على السياسات الإثيوبية دون الانخراط في مواجهة مباشرة، وهو ما يعكس ذكاء سياسيًا استراتيجيًا في إدارة الملفات المعقدة.

الجانب الإقليمي يضيف طبقة إضافية من التعقيد، حيث تتابع عدة دول عربية مثل مصر والإمارات والسعودية التحركات عن كثب. فالوجود السوداني لقيادات المعارضة الإثيوبية يمكن أن يساهم في إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية، ويمنح هذه الدول فرصة لتعزيز نفوذها في القرن الأفريقي. وتوضح التحليلات أن السودان بات لاعبًا مؤثرًا في المنطقة، قادرًا على استخدام الملف الإثيوبي لتحقيق مكاسب دبلوماسية وسياسية، دون الانجرار إلى مواجهة مسلحة مباشرة.

من ناحية السيناريوهات المستقبلية، يمكن تصور عدة مسارات رئيسية:

  1. استراتيجية الاحتواء والتفاوض: تركز الخرطوم على إدارة العلاقة مع تيغراي ضمن إطار سياسي ودبلوماسي، مع الحفاظ على خطوط اتصال مفتوحة مع الحكومة الإثيوبية لتجنب أي تصعيد. يشمل هذا المسار مراقبة دقيقة للحدود وتعزيز التنسيق الأمني المحلي، مع الاستفادة من وجود المعارضة كوسيلة ضغط سياسية محدودة.

  2. التوظيف السياسي الإقليمي: في هذا السيناريو، يستفيد السودان من وجود قيادات تيغراي لتعزيز موقفه في الملفات الثنائية والإقليمية، بما في ذلك مفاوضات سد النهضة وقضايا الحدود، مع التنسيق مع القوى الإقليمية الكبرى لضمان عدم تصعيد النزاع، وتحقيق مكاسب استراتيجية سياسية.

  3. تصعيد محدود محتمل: على الرغم من أنه السيناريو الأقل احتمالًا، إلا أن أي سوء تقدير أو تحرك عسكري محتمل من المعارضة داخل الأراضي السودانية قد يؤدي إلى مواجهات محدودة، ما سيزيد من التوترات بين الخرطوم وأديس أبابا، ويؤثر على الاستقرار الإقليمي بشكل أوسع.

الجانب الداخلي للخرطوم يحمل تحديات كبيرة أيضًا. فاستضافة قيادات معارضة دولة مجاورة يمكن أن يؤدي إلى توترات أمنية داخلية، خصوصًا في المناطق الحدودية الحساسة. وتفيد التقارير بأن الحكومة السودانية اعتمدت خطة مراقبة دقيقة تشمل التنسيق مع السلطات المحلية والجيش والأجهزة الأمنية لضمان عدم تجاوز أي تحركات للمعارضة، ومنع أي خروقات قد تؤدي إلى تصعيد مباشر.

كما أن الزيارة تحمل دلالات حول المستقبل السياسي لإقليم تيغراي، إذ يمكن للمعارضة استخدام وجودها خارج البلاد لتعزيز موقفها داخليًا، والضغط على الحكومة المركزية للتفاوض على تسويات محتملة، وهو ما يمنح السودان دورًا مؤثرًا في هذه المعادلة، ويزيد من أهمية موقعه الإقليمي في القرن الأفريقي.

الخبراء السياسيون يشيرون إلى أن إدارة الخرطوم لهذا الملف بحذر تعكس وعيها بالمعادلات المعقدة، حيث يجمع الموقف بين المكاسب السياسية، التحديات الأمنية، والضغط الإقليمي والدولي. فالقدرة على الموازنة بين هذه الأبعاد تمنح السودان نفوذًا استراتيجيًا، مع تقليل احتمالية تصعيد صراع مفتوح قد يهدد مصالحه الوطنية والإقليمية.

في الختام، يمكن القول إن زيارة دبرصيون جبر ميكائيل تمثل اختبارًا سياسيًا واستراتيجيًا للخرطوم، تجمع بين الفرص والمخاطر، وتضع البلاد في قلب الحسابات الإقليمية. وبينما يبقى السيناريو الأكثر احتمالًا هو إدارة الملف ضمن إطار احتواء وتحقيق مكاسب محدودة، فإن أي خطأ في التقدير قد يؤدي إلى تصعيد كبير، يؤثر على العلاقات الثنائية مع إثيوبيا، وعلى استقرار القرن الأفريقي ككل. وبين الفرصة والتهديد، يظل السودان لاعبًا رئيسيًا قادرًا على إعادة رسم خطوط النفوذ في المنطقة من خلال هذا الملف المعقد والحساس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى