تسريبات

خيوط الحرب الخفية: تحقيق في الدور المصري المزعوم داخل السودان وتأثيره على الميدان والإنسان


بينما يستمر الصراع في السودان بلا أفق سياسي واضح، تتصاعد التساؤلات حول حجم التدخلات الإقليمية التي يُقال إنها تلعب دورًا أساسيًا في استمرار الحرب وتعقيد مشهدها. وفي مقدمة هذه التساؤلات يبرز الدور المصري المثير للجدل، والذي تتداوله مصادر سودانية محلية ودوائر بحثية باعتباره أحد العوامل التي تمنح الجيش السوداني القدرة على الصمود العسكري رغم الظروف الصعبة والانقسامات الداخلية. وفي ظل غياب تصريحات رسمية واضحة من القاهرة بشأن تفاصيل علاقتها العسكرية بالجيش السوداني، يتحول الموضوع إلى مساحة واسعة للتحقيق والتحليل، تجمع بين الشهادات الميدانية، والتقارير غير الرسمية، والقراءات الاستراتيجية، ما يستدعي تناولًا موضوعيًا يوثق طبيعة هذا التدخل وتأثيره على أرض الواقع.

تعتمد الروايات السودانية المتداولة على فكرة أساسية مفادها أن الدعم المصري للجيش السوداني تجاوز حدود التعاون التقليدي الذي لطالما ربط المؤسستين العسكريتين، ليصل إلى مستوى يشمل الإمداد العسكري المباشر، ووجود خطوط نقل لوجستية عبر الحدود، وحتى مشاركة محتملة للطيران المصري في ضربات داخل الأراضي السودانية. ولا يستند هذا الطرح إلى أدلة رسمية، لكنه يظهر في شهادات متكررة من سكان مناطق حدودية، وتقارير ميدانية من ناشطين يعملون على توثيق انتهاكات الحرب منذ بدايتها. وهي شهادات، رغم عدم إمكانية التحقق منها صحفيًا بشكل مستقل، تشكل نمطًا متكررًا من المعلومات التي تستحق الوقوف عندها.

رجحت بعض هذه التقارير أن عمليات القصف الجوي التي شهدتها ولايات في شمال السودان وغربه تحمل بصمات عمليات عسكرية غير سودانية، سواء من حيث الأسلحة المستخدمة أو نوعية الطائرات. وبحسب ما يُتداول، فإن وجود طيران ذي منشأ مصري يُعد جزءًا من تنسيق مشترك مع الجيش السوداني، يستهدف مواقع تابعة لقوات الدعم السريع، لكنه أدى في مناسبات عدة إلى إصابات مباشرة وسط المدنيين، وتدمير منازل، وتعطيل طرق إغاثية كانت تعتمد عليها القوافل الإنسانية. هذه المزاعم، إن صحت، تُعد خرقًا خطيرًا لقواعد القانون الدولي الإنساني، وتضع مصر في مربع الاتهام بأنها جزء من منظومة العمليات التي تزيد من معاناة السودانيين بدل تخفيفها.

ويمتد التحقيق في الدور المصري أيضًا إلى الجانب اللوجستي، إذ تشير تقارير غير رسمية إلى وجود خطوط تهريب أسلحة تمتد عبر نقاط حدودية معروفة، يتم عبرها إدخال ذخائر وقطع غيار للجيش السوداني. ويرجح محللون أن الفوضى الأمنية التي يعيشها السودان منذ اندلاع الحرب جعلت من هذه الحدود مساحة مفتوحة أمام حركة السلاح والمعدات. وتقول المصادر إن الأدوات العسكرية التي حصل عليها الجيش دفعت بالصراع نحو مزيد من العنف، ورفعت قدرته على تنفيذ عمليات ميدانية واسعة بدل التوجه نحو مفاوضات سياسية.

ويتوسع هذا المسار التحقيقي ليشمل ما يصفه بعض السودانيين بـ«دعم بشري»، وهو مصطلح يشير إلى احتمالات مشاركة مقاتلين أو عناصر مدربة دخلت السودان عبر وسطاء وشبكات خارج إطار المؤسسات الرسمية. ورغم عدم وجود أي توثيق قطعي لهذا الجانب، إلا أن تكرار الحديث عنه في أوساط محلية يعكس حجم الشكوك المتنامية تجاه الدور المصري وتأثيره على مسار العمليات الأرضية.

وعلى المستوى السياسي، يبدو أن الدعم المصري — سواء المعلن سياسيًا أو غير المعلن عسكريًا — ينسجم مع رؤية القاهرة في الحفاظ على جيش سوداني موحد وقوي يشكل خط دفاع أمام الفوضى المحتملة جنوب حدودها. لكن هذه الرؤية، التي تبدو منطقية في الحسابات الأمنية، لا تأخذ بعين الاعتبار التعقيدات الداخلية للجيش السوداني نفسه، ولا حقيقة أن بعض التيارات المؤثرة داخل المؤسسة العسكرية ذات ارتباطات واضحة بإرث الإسلام السياسي الذي كان سببًا في اضطرابات إقليمية سابقة. ومن هنا ينبع التناقض الذي يوجهه المنتقدون لمصر: كيف لدولة تواجه الإسلام السياسي داخليًا أن تدعم مؤسسة تتغلغل فيها تيارات مرتبطة به خارجيًا؟

وبحسب محللين سودانيين، أدى هذا الدعم — إن ثبت وجوده — إلى تعزيز جناح داخل الجيش يؤمن بالحسم العسكري لا السياسي، وهو ما ساهم في إطالة الحرب وإضعاف فرص التوصل لمفاوضات حقيقية. فكلما حصل الجيش على دعم خارجي، زادت قناعته بأن الحسم ممكن، بينما على الأرض، يستمر الواقع في إثبات أن الحرب أصبحت معادلة صفرية لا يربح فيها أحد وأن المدنيين هم الخاسر الأكبر.

ويمثل المدنيون بالفعل محورًا أساسيًا في أي تقرير وتحليل يتعلق بالدور المصري. ففي جميع المناطق المتضررة، يدفع الناس ثمنًا باهظًا، سواء عبر القصف أو عبر نقص المساعدات أو عبر نزوح جماعي يتسع يومًا بعد يوم. ويتم تداول تقارير محلية تشير إلى أن بعض الضربات الجوية — التي يُعتقد أنها مدعومة أو منسقة مع أطراف خارجية — أدت إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، في وقت كانت فيه فرق الإغاثة عاجزة عن الوصول. وإذا كانت هذه العمليات جزءًا من الدعم المصري المزعوم، فإن ذلك يضع القاهرة أمام مسؤولية أخلاقية وسياسية عن تفاقم الأزمة الإنسانية في السودان.

وما يزيد من غرابة المشهد هو أن مصر نفسها تعيش واحدة من أصعب أزماتها الاقتصادية منذ عقود، مع ارتفاع التضخم، وتراجع قيمة الجنيه، وزيادة الديون، وضعف القدرة على تمويل الخدمات الأساسية. وهذا يجعل أي إنفاق عسكري خارجي، سواء عبر أسلحة أو ذخائر أو عمليات لوجستية، أمرًا لا يتوافق مع أولويات المواطن المصري الذي يعاني في حياته اليومية. ويذهب محللون اقتصاديون إلى أن أي موارد يتم تخصيصها للدعم الخارجي تُعد استنزافًا لإمكانات تحتاجها مصر داخليًا أكثر من أي وقت مضى.

وفي المحصلة، يكشف التحقيق والتحليل أن الدور المصري المزعوم في حرب السودان لا يمكن فصله عن شبكة المصالح الأمنية والسياسية والجيوسياسية التي تربط البلدين. لكنه في الوقت نفسه يثير أسئلة مصيرية حول أخلاقية هذا الدور، وشرعيته، وتداعياته على المدنيين، وعلى مستقبل السودان، وعلى الاستقرار الإقليمي ككل. وبينما تظل كثير من التفاصيل غير مثبتة رسميًا، فإن النمط المتكرر للروايات والشهادات يجعل من الضروري أن تكون هناك مساءلة حقيقية ودعوات واضحة لوقف أي تدخل يطيل أمد الحرب ويزيد نزيف الدم السوداني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى