جدل في السودان حول المناهج التعليمية وشبهات عودة الإخوان
في الوقت الذي تحوّلت فيه المدارس السودانية إلى ثكنات عسكرية وملاجئ للنازحين، اشتعلت في أروقة وزارة التربية والتعليم معركة من نوع آخر. فقرار الحكومة الموالية للجيش بتشكيل لجنة عليا لمراجعة المناهج والعودة إلى “وثيقة 2013″، فجّر موجة من المخاوف حول رغبة تنظيم الإخوان (النظام السابق) في استعادة نفوذه عبر صياغة عقول الأجيال القادمة.
ووفق شبكة (عاين)، تُعدّ وثيقة المناهج لعام 2013 الإرث التربوي الأخير لنظام الرئيس المعزول عمر البشير. ورغم أنّ مدير المركز القومي للمناهج، معاوية قشي، يدافع عنها بصفتها “قاعدة مهنية” واكبت المعايير العالمية، إلا أنّ خبراء التربية يرون فيها محض أداة لتنفيذ “مشروع إعادة صياغة الإنسان السوداني” وفق منظور الحركة الإسلامية.
ويشير مراقبون للشبكة ذاتها إلى أنّ هذه الوثيقة، التي تستند إلى “تأكيد الهوية الإسلامية” بمفهوم الإخوان، تمثل ردة عن التنوع الثقافي والاجتماعي الذي يمتلكه السودان. ويرى تربويون أنّ هذه المناهج لطالما اعتمدت على “التلقين الحفظي” بدلاً من التفكير الناقد، ممّا جعل المدارس منصات لتمرير الإيديولوجيا الحزبية تحت غطاء الدين.
وفي السياق أكدت “لجنة المعلمين السودانيين” في بيان لها أنّ اللجنة العليا للمناهج تتكون في معظمها من عناصر تنتمي إلى “المؤتمر الوطني” المنحل، وهو ما ينزع عنها صفة الحياد والتوافق الوطني.
ويرى مدير المناهج السابق د. عمر القراي، في تصريح صحفي، أنّ هذه الوثيقة صُممت لتخدم فكر الإخوان، واصفاً إيّاها بالضعف العلمي والحساسية المفقودة تجاه حقوق الإنسان وقضايا المرأة.
ويعتبر التربويون أنّ فتح ملف المناهج في ظل “حالة الطوارئ” والحرب الدائرة هو محاولة لفرض “أمر واقع” تعليمي ينقض ما أنجز في الفترة الانتقالية من إصلاحات.
وفي الإطار ذاته حذّر رئيس لجنة المعلمين، علي عبيدة، من أنّ العودة إلى مناهج النظام السابق تعني العودة إلى “تسييس التعليم”، وهو أمر خطير يهدد بتمزيق النسيج الاجتماعي المهترئ أصلاً بفعل الحرب. فبدلاً من صياغة محتوى يدعو إلى التعايش وقبول الآخر، تكرس هذه الوثائق ثقافة “الإقصاء” التي كانت وقوداً للنزاعات المسلحة.
إضافة إلى ذلك، يرى الخبير التربوي محجوب محمد أنّ السودان يحتاج اليوم إلى “تعليم الطوارئ” الذي يركّز على حل النزاعات ومهارات البقاء، بدلاً من الغرق في جدليات إيديولوجية نظرية لا تخدم التلاميذ المهجّرين في خيام النزوح.
الإصرار على مناهج 2013 في ظل غياب الإجماع الوطني ليس مجرد قرار فني، بل هو إعلان عن جولة جديدة من الصراع على “هوية الدولة” عبر نوافذ الفصول الدراسية.
إنّ ترميم ما أفسده الإخوان في القطاع التربوي خلال ثلاثين عاماً يتطلب إبعاد التعليم تماماً عن “المحاصصات السياسية”، والتركيز على بناء إنسان يؤمن بالمواطنة المتساوية، لا بمرجعيات التنظيم الدولي الضيقة.




