أحداث

تناقض الخطاب: البرهان يتحدث عن المصالحة ويواصل خيار الحرب


قال قائد الجيش رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبدالفتاح البرهان ، إن “النصر قادم” في مواجهة قوات الدعم السريع، مؤكدا استمرار التزام الحكومة بالتصدي لما وصفه بـ”التمرد” وحماية الدولة، فيما جاءت تصريحاته خلال خطاب متلفز من أمام القصر الجمهوري في الخرطوم، بمناسبة الاحتفالات بالذكرى السبعين لاستقلال السودان عن الاحتلال البريطاني عام 1956، وهو المكان الذي تعرض لأضرار مادية نتيجة الحرب الأهلية.

وشدد البرهان على أن المعركة الراهنة تعتبر امتدادًا للنضال التاريخي للشعب السوداني ضد الاستعمار والبطش، قائلاً “التحية للشعب السوداني وللقوات المسلحة والقوات النظامية والقوات المساندة وهم يخوضون ذات معركة الاستقلال من البطش والهمجية والاستعمار بثوبه الجديد”، مؤكدا أن هذه المعركة، وفق تعبيره، “وحّدت وجدان الشعب السوداني” وأن “النصر قادم”.

والتأكيد على استمرار الحرب والدعوة في الوقت ذاته لمصالحة وطنية، تحمل اشارة تناقض كبير في مواقف قائد الجيش السوداني الذي سبق ورفض دعوات الحوار المحلية والدولية التي قبلت بها قوات الدعم السريع ونسف مبادرة أميركية لإنهاء الاقتتال.

وجاء الخطاب في سياق محاولة الحكومة للعودة تدريجيًا إلى الخرطوم، بدل العاصمة الإدارية المؤقتة في بورتسودان شرقي البلاد، في وقت لا تزال فيه العاصمة تتأثر بالاشتباكات العسكرية المتقطعة مع قوات الدعم السريع. وأشار البرهان إلى الرمزية التاريخية للمكان، مضيفا “مثلما تداعى السودانيون إلى هذا المكان عام 1885 وعام 1956 وطردوا المستعمر، سنجتمع حتما مرة أخرى هنا لنحتفل بطرد التمرد والخونة من بلادنا”.

في الوقت نفسه، دعا البرهان القوى السياسية والمواطنين إلى المشاركة في عملية المصالحة الوطنية، مؤكدا أن “أبواب المصالحة الوطنية ما زالت مشرعة لتأسيس دولة المواطنة”، وأن كل من يريد “الانضمام إلى الحق” مرحب به، في رسالة تبدو في ظاهرها تهدف إلى احتواء الانقسامات السياسية وتشجيع الحوار الوطني رغم استمرار الصراع العسكري.

وشدد على أن أي تسوية أو مبادرة سلام يجب أن تشمل تفكيك قوات الدعم السريع ونزع سلاحها وهو الموقف الذي كرره مرارا منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، والتي نشأت بسبب خلاف حول دمج الدعم السريع في المؤسسة العسكرية. وقال إن هذه الشروط ضرورية لتحقيق سلام مستدام وحماية الدولة من تهديدات مستقبلية وهي شروط سبق أن وصفتها واشنطن بـ”التعجيزية”.

وتسببت الحرب المستمرة في معاناة إنسانية واسعة، إذ قُتل عشرات الآلاف ونزح نحو 13 مليون شخص منذ بداية النزاع. وأدى التصعيد الأخير، الذي يشمل اشتباكات عنيفة في ولايات إقليم كردفان الثلاث (شمال وغرب وجنوب)، إلى نزوح عشرات الآلاف إضافية، فيما تسيطر قوات الدعم السريع على خمس ولايات في دارفور غربا، باستثناء أجزاء من شمال دارفور التي لا تزال تحت سيطرة الجيش. ويفرض الجيش نفوذه على معظم الولايات الـ13 المتبقية، بما في ذلك العاصمة الخرطوم جزئيًا.

وتعكس تصريحات البرهان مزيجًا من الرسائل العسكرية والسياسية، حيث حاول أن يبرز التزام الحكومة باستعادة السيطرة على كامل الأراضي السودانية، وفي الوقت نفسه يفتح الباب أمام القوى السياسية والمجتمع المدني للمشاركة في عملية المصالحة، لكن متابعين لتطورات الوضع يشككون في نوايا قائد الجيش السوداني استنادا لمواقف تحمل في طياتها تناقضات واضحة ولا تؤكد فعلا اتجاه لإنهاء الحرب.

ويعكس الخطاب أيضًا الجهود الرامية لإضفاء شرعية رمزية على العودة إلى الخرطوم واستخدام التاريخ الوطني لإضفاء طابع موحد على المجتمع السوداني في مواجهة التحديات الراهنة. وتشير التحليلات إلى أن نجاح أي مسار سياسي مستقبلي يرتبط بقدرة الحكومة على التوفيق بين القوة العسكرية والمبادرات السياسية والاجتماعية لضمان استقرار طويل الأمد وصدق نواياها في إرساء السلام من خلال مصالحة وطنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى