القرن الإفريقي على مفترق طرق: سيناريوهات التصعيد والاحتواء في ظل صراع النفوذ حول إثيوبيا
تتجه منطقة القرن الإفريقي نحو مرحلة دقيقة من إعادة تشكيل التوازنات، في ظل تصاعد مؤشرات التنافس الإقليمي غير المباشر حول الداخل الإثيوبي. ومع تزايد التقارير عن تحركات سياسية وعسكرية مرتبطة بقيادات من الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي داخل السودان، تبدو المنطقة وكأنها تدخل مرحلة جديدة من إدارة الصراعات عبر أدوات غير تقليدية، تعتمد على الفاعلين المحليين والتحالفات غير المعلنة بدلًا من المواجهات المباشرة. هذا التحول يفتح الباب أمام مجموعة من السيناريوهات المحتملة التي ستحدد مستقبل الاستقرار في واحدة من أكثر مناطق إفريقيا حساسية استراتيجيًا.
السيناريو الأول يتمثل في استمرار سياسة الضغط منخفض الحدة على إثيوبيا. في هذا المسار، تعمل الأطراف الإقليمية على إبقاء مستوى التوتر عند حدود معينة، دون الانزلاق إلى مواجهة واسعة. الهدف هنا ليس إسقاط الدولة أو تفكيكها، بل إضعاف قدرتها على التحرك الإقليمي وتقليص طموحاتها الاستراتيجية. هذا النمط من الصراع يعتمد على دعم غير مباشر لقوى محلية، وإبقاء جبهات التوتر الداخلية مفتوحة، بما يؤدي إلى استنزاف الموارد العسكرية والاقتصادية للدولة على المدى الطويل.
إذا تحقق هذا السيناريو، فمن المرجح أن تواجه إثيوبيا تحديات مستمرة في إعادة بناء الاستقرار الداخلي. فالدولة التي تضطر إلى توزيع قدراتها على جبهات متعددة لن تكون قادرة على التركيز على الإصلاح الاقتصادي أو تنفيذ مشاريع تنموية كبرى. كما أن استمرار حالة عدم اليقين الأمني سيؤثر سلبًا على ثقة المستثمرين، ويؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي، وهو ما قد ينعكس بدوره على الاستقرار الاجتماعي والسياسي.
السيناريو الثاني يتمثل في التصعيد غير المقصود. في بيئات الصراع المعقدة، قد يؤدي حادث أمني محدود أو تحرك ميداني غير محسوب إلى ردود فعل متسلسلة تدفع الأطراف نحو مواجهة أوسع. وفي حال شعرت إثيوبيا بأن الضغوط الخارجية تجاوزت مستوى معينًا، فقد تلجأ إلى خطوات أكثر حدة لحماية أمنها القومي، سواء عبر تحركات عسكرية على الحدود أو من خلال إجراءات سياسية ودبلوماسية تصعيدية.
هذا السيناريو يحمل مخاطر كبيرة على المنطقة، لأن أي تصعيد مباشر بين دول القرن الإفريقي قد يؤدي إلى تعطيل طرق التجارة، وزيادة التوترات الحدودية، وارتفاع معدلات النزوح. كما أن اتساع نطاق المواجهة قد يفتح المجال لتدخلات دولية أو إقليمية إضافية، ما يزيد من تعقيد المشهد ويجعل احتواء الأزمة أكثر صعوبة.
أما السيناريو الثالث فيتمثل في الاحتواء التدريجي وإعادة ضبط التوازنات عبر القنوات الدبلوماسية. في هذا المسار، تدرك الأطراف الإقليمية أن استمرار سياسة الاستنزاف المتبادل قد يؤدي إلى نتائج عكسية، فتتجه نحو تفاهمات غير معلنة تقوم على تقليل مستوى التدخلات غير المباشرة مقابل ضمانات أمنية متبادلة. مثل هذه التفاهمات قد لا تظهر في شكل اتفاقيات رسمية، لكنها تنعكس عمليًا في تراجع مستوى التوتر وتخفيف حدة التحركات الميدانية.
تحقق هذا السيناريو يعتمد إلى حد كبير على دور الوسطاء الإقليميين والدوليين، إضافة إلى إدراك مشترك بأن استقرار إثيوبيا يمثل عنصرًا أساسيًا لاستقرار القرن الإفريقي بأكمله. فالدولة الإثيوبية، بحجمها السكاني وموقعها الجغرافي ودورها الاقتصادي، تشكل ركيزة رئيسية في منظومة الأمن الإقليمي. وأي انهيار أو ضعف شديد فيها قد يؤدي إلى تداعيات تتجاوز حدودها لتشمل دول الجوار.
هناك أيضًا سيناريو رابع أقل احتمالًا لكنه يظل قائمًا، ويتمثل في إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية بشكل أوسع. في هذا المسار، قد تسعى بعض الدول إلى بناء ترتيبات أمنية أو سياسية جديدة تهدف إلى إدارة التنافس بدلًا من تأجيجه. مثل هذه الترتيبات قد تشمل تنسيقًا أمنيًا حول الحدود، أو تفاهمات بشأن دعم الفاعلين المحليين، أو حتى إطلاق مبادرات اقتصادية مشتركة تهدف إلى خلق مصالح متبادلة تقلل من احتمالات التصعيد.
العامل الاقتصادي سيكون حاسمًا في تحديد المسار الذي ستتخذه الأحداث. فالدول التي تواجه ضغوطًا مالية أو تحديات داخلية كبيرة تميل عادة إلى تجنب الصراعات طويلة الأمد. وفي المقابل، فإن الأزمات الاقتصادية العميقة قد تدفع بعض الأطراف إلى استخدام التوترات الخارجية كوسيلة لإعادة ترتيب أولوياتها الداخلية أو تعزيز تماسكها السياسي.
كما أن البعد الإنساني يمثل عنصرًا لا يمكن تجاهله. فاستمرار حالة عدم الاستقرار داخل إثيوبيا قد يؤدي إلى موجات نزوح جديدة نحو الدول المجاورة، وهو ما سيشكل ضغطًا إضافيًا على موارد محدودة أصلًا. وفي منطقة تعاني من تحديات مناخية واقتصادية متزايدة، فإن أي تدفقات سكانية كبيرة قد تزيد من هشاشة الأوضاع الاجتماعية والأمنية.
المجتمع الدولي ينظر إلى هذه التطورات من زاوية أوسع تتعلق بأمن البحر الأحمر وممرات التجارة العالمية. فالقرن الإفريقي يقع بالقرب من أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وأي اضطراب طويل الأمد في استقراره قد ينعكس على حركة التجارة والطاقة. لهذا السبب، من المرجح أن تستمر الجهود الدولية الرامية إلى منع تحول التنافس الإقليمي إلى صراع مفتوح.
في النهاية، فإن مستقبل الصراع حول إثيوبيا لن يتحدد فقط بحجم التحركات السياسية أو العسكرية، بل بقدرة الأطراف المختلفة على إدراك حدود المخاطر المرتبطة بسياسات الاستنزاف المتبادل. فالتنافس على النفوذ قد يمنح بعض المكاسب التكتيكية قصيرة المدى، لكنه قد يتحول إلى مصدر تهديد مشترك إذا خرج عن السيطرة.
القرن الإفريقي يقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي. إما أن تتجه القوى الإقليمية نحو إدارة خلافاتها ضمن توازنات محسوبة تضمن الحد الأدنى من الاستقرار، أو أن تستمر في سياسات الضغط غير المباشر التي قد تقود تدريجيًا إلى مرحلة أكثر خطورة من عدم اليقين. وبين هذين المسارين، ستتحدد ملامح النظام الإقليمي في السنوات القادمة، في منطقة أصبحت فيها الصراعات الصامتة أكثر تأثيرًا من الحروب المعلنة، وأكثر قدرة على إعادة تشكيل خرائط النفوذ دون إطلاق رصاصة واحدة.




