الفوضى الأمنية في الخرطوم.. تزايد حوادث انتحال الصفات الرسمية
تشهد العاصمة الخرطوم خلال الأشهر الأخيرة حالة متزايدة من الفوضى الأمنية، تجلت في انتشار جرائم السرقة والنهب، إلى جانب ظاهرة انتحال الصفات الرسمية سواء الأمنية أو الإعلامية، وهو ما يراه مراقبون انعكاسًا مباشرًا لانهيار مؤسسات الدولة منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.
ويؤكد مواطنون أن تعدد الجهات المسلحة وغياب سلطة الدولة في أجزاء واسعة من العاصمة أتاح الفرصة لمجموعات إجرامية للتحرك بحرية، مستغلة ارتداء زي عسكري أو الادعاء بالانتماء إلى مؤسسات حكومية أو إعلامية. وقد ساهمت الحرب المستمرة بين الجيش وقوات الدعم السريع في إضعاف البنية التحتية الأمنية والإدارية، ما جعل المؤسسات الرسمية عاجزة عن فرض القانون، بحسب مداميك.
وزارة الداخلية أعلنت أنها رصدت حالات متعددة لانتحال صفة رجال الشرطة، مشيرة إلى أن الحملات الأمنية الأخيرة أسفرت عن توقيف نحو 500 شخص منذ مارس الماضي، وإغلاق 40 مكتبًا غير قانوني في الخرطوم وشرق النيل وأم درمان. وأكدت أن هذه الإجراءات تأتي ضمن خطة لفرض هيبة الدولة ومكافحة العصابات التي تستغل الوضع الأمني المضطرب.
الظاهرة امتدت إلى المجال الإعلامي، حيث حذر مدير قطاع التلفزيون القومي من أفراد يقدمون أنفسهم على أنهم من طاقم التلفزيون ويجرون مقابلات دون تفويض رسمي. ويعمل التلفزيون القومي حاليًا من مدينة بورتسودان بعد انتقاله من الخرطوم بسبب الحرب، فيما أثارت حادثة اقتحام مبناه احتجاجًا على تصريحات إدارية جدلًا واسعًا حول احترام القوانين والمؤسسية في ظل التوترات القبلية والاجتماعية.
رجال أعمال بدورهم ناشدوا السلطات التدخل لوقف عمليات النهب التي تستهدف المصانع والممتلكات الصناعية، محذرين من أن استمرارها يهدد النشاط الصناعي ويقوض الإنتاج. وطالبوا بتشديد الرقابة على مصانع صهر الحديد ومراجعة المستندات لضمان عدم تداول مواد منهوبة.
الخبير الأمني اللواء معاش أمين إسماعيل اعتبر أن انتشار انتحال الصفات الرسمية يعكس خللًا عميقًا في المنظومة الأمنية، مشددًا على أن الحل لا يكمن في الحملات الأمنية وحدها، بل في إعادة بناء مؤسسات الدولة وتوحيد السلاح تحت سلطة مركزية. فيما أشار الباحث محمد عبدالقادر إلى أن هذه الظواهر شبيهة بما حدث في الصومال بعد انهيار الدولة عام 1991، حيث تحولت الفوضى الأمنية إلى صراع قبلي طويل الأمد.
ويرى مراقبون أن استمرار الحرب دون تسوية سياسية شاملة قد يقود السودان إلى مسار مشابه، حيث تتزايد معدلات الجريمة وتتعمق التوترات القبلية، ما يجعل معركة استعادة الأمن جزءًا من معركة أكبر تتعلق بمستقبل الدولة السودانية نفسها.




