السودان وتيغراي: لعبة النفوذ الإقليمي على حساب الاستقرار الإثيوبي
في خضم الأزمات السياسية والأمنية التي تهز القرن الإفريقي، يظهر تواجد رئيس الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي في السودان كرمز لتحولات استراتيجية جديدة في المنطقة. فهذه الزيارة ليست مجرد تنقل زعيم فصيل سياسي مسلح، بل هي إشارة واضحة إلى تحالف إقليمي غير معلن، يضم السودان وإريتريا وعددًا من الدول الداعمة للجيش السوداني، يسعى إلى استخدام النزاع الإثيوبي كورقة للضغط السياسي وإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية.
منذ سنوات، تواجه إثيوبيا تحديات متنامية نتيجة الصراعات الداخلية بين الفصائل الإثنية المختلفة، وتصاعد التوترات السياسية بين الحكومة المركزية والمناطق ذات الحكم الذاتي. في هذا السياق، أصبح الصراع الإثني الداخلي منصة لاستغلاله من قبل أطراف إقليمية تسعى إلى توسيع نفوذها، وتحويل النزاع المحلي إلى أداة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية بعيدة المدى.
السودان، الذي يسعى لتعزيز موقعه الإقليمي، يرى في دعم الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي فرصة لتأمين حدوده الشرقية، وتوسيع دائرة نفوذه السياسي. فالتحالف مع تيغراي وإريتريا يتيح للخرطوم القدرة على التأثير في الأحداث الإثيوبية بشكل غير مباشر، مع تقليل المخاطر المرتبطة بالمواجهة المباشرة. وبذلك يصبح السودان لاعبًا فاعلًا في مشهد إقليمي معقد، يوازن بين المصالح الداخلية والحسابات الاستراتيجية الإقليمية.
إريتريا، من جانبها، تتخذ دورًا استخباراتيًا وتحليليًا، مستفيدة من خبرتها الطويلة في إدارة النزاعات داخل إثيوبيا. فدعم أسمرة للجبهة الشعبية لا يقتصر على توفير معلومات دقيقة عن تحركات الجيش الإثيوبي، بل يشمل تنسيق العمليات المحدودة لضمان ضرب نقاط حساسة دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. هذا النهج يعكس رغبة إريتريا في إدارة الضغط على حدودها دون الانخراط في حرب مباشرة قد تجذب انتقادات أو تدخلات دولية.
التحليل السياسي يشير إلى أن هذا التحالف يمثل مثالًا على “استراتيجية الاستنزاف المحدود”، حيث يتم تنفيذ عمليات محددة تستهدف مواقع استراتيجية في إثيوبيا لإضعاف قدرة الحكومة المركزية على التحكم الكامل في النزاعات الداخلية. هذه العمليات غالبًا ما تكون دقيقة ومدروسة، بما يخلق حالة من التوتر المستمر ويجبر الحكومة الإثيوبية على توزيع مواردها العسكرية والأمنية على جبهات متعددة، ما يزيد من الضغط الداخلي ويحد من قدرتها على التركيز على التنمية والاستقرار السياسي.
على المستوى الإقليمي، يبرز هذا التحالف كأداة لتشكيل توازنات جديدة بين القوى الإقليمية. فقد أصبحت إثيوبيا، القوة الاقتصادية والديموغرافية الأكبر في المنطقة، هدفًا للضغط الاستراتيجي من قبل دول ترى في أي ضعف محتمل فرصة لتعزيز نفوذها. التحركات السودانية والإريترية تجاه تيغراي تعكس قدرة هذه الدول على استخدام الفاعلين المحليين كوسيلة لتحقيق مكاسب استراتيجية، دون الانخراط المباشر في صراعات عسكرية مكلفة.
التداعيات الإنسانية لهذه التحركات لا تقل خطورة عن البعد السياسي والاستراتيجي. فتصعيد النزاع داخل إثيوبيا، حتى وإن كان محدودًا، قد يؤدي إلى موجات نزوح جديدة، وتفاقم أزمة الغذاء والمياه، وزيادة الضغط على المجتمعات الحدودية، وهو ما يزيد من تعقيد مهمة المنظمات الإنسانية في توفير المساعدات اللازمة.
الحكومة الإثيوبية تواجه معضلة مزدوجة: الحفاظ على استقرارها الداخلي في ظل النزاعات العرقية والسياسية، ومواجهة تحالف إقليمي يستخدم الفصائل المحلية كأداة ضغط على الأرض. هذا الوضع يضع أديس أبابا أمام تحدٍ حقيقي في وضع استراتيجيات دفاعية فعالة دون التسبب في تصعيد شامل قد يفاقم الأزمات القائمة ويؤثر على الاستقرار الإقليمي.
اقتصاديًا، فإن استمرار هذه التحركات يعطل المشاريع الحيوية ويمثل تهديدًا للنمو والتنمية في المنطقة. فاستقرار إثيوبيا أساسي لنجاح مشاريع البنية التحتية والاستثمارات الأجنبية، وأي توتر مستمر قد يؤدي إلى تراجع ثقة المستثمرين ويؤثر على الأسواق الإقليمية بشكل مباشر.
من منظور دولي، يراقب المجتمع الدولي الوضع بحذر، مع التركيز على الحلول الدبلوماسية للحفاظ على استقرار المنطقة. ومع ذلك، فإن استمرار تحركات التحالف السوداني-الإريتري-تيغراي قد يجبر بعض القوى الدولية على التدخل المباشر أو فرض ضغوط سياسية واقتصادية لتقليل احتمالات التصعيد، خصوصًا إذا ظهرت مؤشرات على تأثير مباشر على المدنيين أو التجارة الإقليمية.
في المحصلة، فإن تواجد قيادة الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي في السودان يمثل تحولا كبيرا في طريقة إدارة النفوذ في القرن الإفريقي. إنه مؤشر على تحول الصراعات الداخلية إلى أدوات ضغط إقليمية، يعكس ديناميكيات جديدة في التوازنات السياسية والأمنية، ويطرح تحديات كبيرة أمام الحكومة الإثيوبية، والدول المجاورة، والمجتمع الدولي على حد سواء. المستقبل القريب سيحدد مدى قدرة هذه الأطراف على إدارة النزاع بشكل يوازن بين مصالحها الاستراتيجية وبين الحفاظ على الاستقرار الإقليمي.




