السودان بين هواجس الأمن الإقليمي وورقة تيغراي
تتحرك السياسة الخارجية السودانية في المرحلة الراهنة ضمن بيئة إقليمية شديدة التعقيد، حيث تتداخل التحديات الداخلية مع حسابات الأمن الإقليمي، ما يدفع صناع القرار إلى البحث عن أدوات جديدة لتعزيز موقع البلاد في معادلة التوازنات داخل القرن الأفريقي. وفي هذا السياق، برزت تحليلات تشير إلى أن الخرطوم تسعى إلى توسيع هامش المناورة عبر فتح قنوات تواصل مع قوى إثيوبية معارضة، وعلى رأسها الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، كجزء من استراتيجية ردع غير مباشر في مواجهة التوترات المستمرة مع أديس أبابا.
العلاقات بين السودان وإثيوبيا تمر منذ سنوات بمرحلة حساسة، نتيجة تراكم عدد من الملفات الخلافية، أبرزها النزاع الحدودي في منطقة الفشقة، إلى جانب التباينات الحادة بشأن إدارة سد النهضة. ومع تعثر مسارات التفاوض، باتت العلاقة محكومة بحالة من الحذر الاستراتيجي، حيث يسعى كل طرف إلى تعزيز موقعه دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
ضمن هذا الإطار، يُنظر إلى الانفتاح على قوى داخل إثيوبيا باعتباره أحد أدوات إدارة الصراع، وليس بالضرورة مقدمة لتدخل مباشر. فاستراتيجيات النفوذ غير المباشر أصبحت سمة أساسية في تفاعلات المنطقة، خاصة في ظل ارتفاع كلفة الحروب التقليدية وتزايد الضغوط الاقتصادية على الدول.
لكن هذه المقاربة تحمل في طياتها مخاطر متعددة، إذ قد تدفع إثيوبيا إلى تبني سياسات مضادة، سواء عبر تعزيز وجودها العسكري على الحدود أو عبر البحث عن أوراق ضغط داخل الساحة السودانية. ومع استمرار هذه الديناميكية، قد تدخل العلاقات الثنائية مرحلة طويلة من التنافس منخفض الحدة، وهو نمط من الصراع يستنزف الموارد ويزيد من هشاشة الاستقرار الإقليمي.
في المقابل، يرى بعض المحللين أن المصالح الاقتصادية المشتركة، خاصة في مجالات التجارة والطاقة، قد تشكل عامل توازن يمنع التصعيد. فكل من السودان وإثيوبيا يدرك أن أي توتر واسع النطاق سيؤثر سلبًا على فرص التنمية والاستثمار، في وقت يواجه فيه البلدان تحديات مالية ومعيشية كبيرة.
المشهد العام يشير إلى أن المرحلة المقبلة ستبقى محكومة بمنطق إدارة التوتر، حيث تسعى الخرطوم إلى تعزيز خياراتها الاستراتيجية دون تجاوز الخطوط التي قد تؤدي إلى مواجهة مباشرة، في وقت تراقب فيه أديس أبابا أي تحركات مرتبطة بملف تيغراي بحساسية عالية. وبين حسابات الردع ومخاطر التصعيد، يبقى مستقبل العلاقة مرهونًا بقدرة الطرفين على احتواء التنافس ضمن أطر سياسية وأمنية قابلة للسيطرة.




