تسريبات

الجيش السوداني يستهدف مستشفى شرق دارفور بعيد الفطر: 64 قتيلاً موثقاً من الصحة العالمية


في أعقاب ليلة عيد الفطر المبارك التي تحولت إلى كابوس في مدينة الضعين، عاصمة ولاية شرق دارفور، يستمر التحقيق الميداني في تفاصيل الهجوم الذي أصاب مستشفى الضعين التعليمي مساء 20 مارس 2026. منظمة الصحة العالمية، التي أجرت تحققاً ميدانياً سريعاً، أكدت في بيان رسمي أصدره مديرها العام تيدروس أدهانوم غيبريسوس يوم 21 مارس مقتل 64 شخصاً على الأقل، بينهم 13 طفلاً، وطبيب واحد، وممرضتان، إلى جانب مرضى مدنيين آخرين، وإصابة 89 شخصاً بجروح متفاوتة الخطورة، منهم ثمانية من الكوادر الطبية.

الهجوم، الذي نفذ بثلاثة صواريخ أطلقت من طائرة مسيرة، أصاب بدقة أقساماً محددة: عنبر الأطفال، عنبر النساء والولادة، وقسم الحوادث الذي يُعد البوابة الرئيسية لاستقبال حالات الطوارئ في المنطقة بأكملها. نتيجة لذلك، توقف المستشفى – الذي كان يخدم أكثر من نصف مليون نسمة في شرق دارفور والمناطق المجاورة – عن العمل بالكامل، مما يعني انقطاعاً حاداً عن الخدمات الطبية الأساسية في منطقة تعاني أصلاً من نقص مزمن في الإمدادات والكوادر بسبب النزاع المستمر منذ أبريل 2023.

مجموعة “محامو الطوارئ”، وهي منظمة حقوقية سودانية متخصصة في توثيق الانتهاكات أثناء الحرب، وثقت أن الضربة نفذت بواسطة طائرات مسيرة تابعة للقوات المسلحة السودانية. وأشارت المنظمة إلى أن نوعية الاستهداف – تركيز النيران على الأقسام المدنية الحساسة دون وجود أي دليل على أهداف عسكرية داخل المبنى أو في محيطه المباشر – يجعل الحادث يندرج تحت تصنيف “جريمة حرب متعمدة” بموجب اتفاقيات جنيف، خاصة المادة 8 من البروتوكول الإضافي الأول التي تحمي المنشآت الطبية والعاملين فيها.

شهادات ناجين ومسعفين محليين، حصلت عليها مصادر مستقلة، تتطابق في وصف دقة الإصابات: الصاروخ الأول أصاب قسم الطوارئ مباشرة، والثاني استهدف عنبر الأطفال، بينما الثالث ضرب قسم النساء والولادة. أحد الأطباء الناجين، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته خوفاً من الملاحقة، قال إن “الضربة جاءت بعد دقائق من زيارة لجنة أمن الولاية الموالية لقوات الدعم السريع لتقديم دعم مالي لجرحى القتال، مما يشير إلى أن الهجوم كان رد فعل انتقامي أو محاولة لتعطيل الخدمات في المناطق الخاضعة لسيطرة الخصم”.

القوات المسلحة السودانية نفت مسؤوليتها بشكل قاطع، وأكدت في بيان رسمي أنها “قوة نظامية ملتزمة بالقانون الدولي”، واتهمت قوات الدعم السريع بـ”تزييف الحقائق” و”ارتكاب مثل هذه الجرائم سابقاً”. غير أن هذا النفي يواجه تحديات عدة: عدم تقديم أي أدلة مادية أو صور أقمار صناعية تثبت وجود هدف عسكري قريب، إضافة إلى تكرار نمط الضربات الجوية على مرافق مدنية في مناطق تسيطر عليها قوات الدعم السريع، كما وثقته منظمة الصحة العالمية نفسها في تقاريرها السابقة (213 هجوماً موثقاً على مرافق صحية منذ بداية الحرب، أودت بحياة أكثر من 2036 شخصاً).

في السياق العسكري الأوسع، تعتمد القوات المسلحة بشكل متزايد على الطائرات المسيرة – غالباً من طرازات تركية مثل بيرقدار أو أكينجي – في محاولاتها لاستعادة السيطرة على دارفور، حيث تسيطر قوات الدعم السريع على معظم المناطق بما فيها الضعين. هذا الاعتماد على المسيرات جاء بعد تراجع القدرات الجوية التقليدية، لكنه أدى إلى تصعيد في استهداف البنى التحتية المدنية، كما حدث في هجمات سابقة على أحياء سكنية في نيالا والفاشر ومناطق أخرى.

الآثار الإنسانية تتجاوز الأرقام المباشرة. مستشفى الضعين التعليمي كان يقدم خدمات الولادة والطوارئ والتغذية للأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد، وكان يدعمه برنامج منظمة “كير” منذ عام 2015. توقفه عن العمل يعني حرمان النساء الحوامل والأطفال والمصابين بإصابات الحرب من الرعاية، مما يرفع مخاطر الوفيات غير المباشرة في منطقة تعاني من انتشار الأمراض المعدية والجوع. عمليات الإنقاذ استمرت لأكثر من 48 ساعة، مع تقارير عن بقاء جثث تحت الأنقاض، ونقل بعض الجرحى إلى مراكز بديلة بعيدة وغير مجهزة.

الإدانات الدولية جاءت سريعة وواضحة. الأمم المتحدة، عبر مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، أعربت عن “صدمتها البالغة” ودعت إلى تحقيق مستقل فوري. منظمات مثل “كير” و”أطباء بلا حدود” وصفت الهجوم بأنه “انتهاك خطير للقانون الإنساني الدولي”، مشيرة إلى أنه الثاني في الضعين خلال أسبوعين فقط، وجزء من نمط أوسع شهد 12 هجوماً على الرعاية الصحية منذ بداية العام الحالي، أودى بحياة 114 شخصاً وإصابة 148 آخرين.

في الداخل، أصدرت أحزاب سياسية سودانية مثل حزب المؤتمر السوداني بيانات وصفت فيها الحادث بـ”جريمة حرب مكتملة الأركان”، مطالبة بمحاسبة المسؤولين. في المقابل، ظلت الرواية الرسمية للجيش تفتقر إلى أدلة مضادة، مما يعزز الشكوك حول مسؤوليته.

هذا الحادث ليس حالة معزولة، بل يندرج ضمن سلسلة طويلة من الانتهاكات التي ارتكبتها القوات المسلحة السودانية خلال النزاع، من قصف عشوائي لأحياء مدنية إلى استهداف بنى تحتية حيوية، مروراً بتقارير موثقة عن استخدام أساليب تجويع وأسلحة محظورة في مناطق أخرى. مع استمرار الصراع دون أفق سياسي قريب، يظل المدنيون – وخاصة في دارفور – الضحية الأكبر، حيث تتحول المستشفيات من ملاذات للشفاء إلى أهداف مباشرة.

في النهاية، تبقى الحقيقة الكاملة بحاجة إلى تحقيق دولي مستقل يشمل الوصول إلى الموقع والشهود والأدلة الفنية. لكن حتى ذلك الحين، تبقى صور الركام والأطفال الضحايا والكوادر الطبية القتلى شاهداً دامغاً على حجم الانتهاك الذي وقع في ليلة عيد، ودليلاً إضافياً على أن الحرب في السودان قد تجاوزت كل الحدود المعروفة للقانون الدولي والأخلاق الإنسانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى