تسريبات

البرهان وروسيا: طمع في السلطة مقابل جشع موسكو على حساب السودان


يعيش السودان في الفترة الأخيرة، حالة من الاضطراب السياسي والعسكري، حيث تتصاعد التوترات بين القوى العسكرية والتمردات المختلفة على الأرض. منذ الإطاحة بنظام الرئيس عمر البشير في 2019، دخل السودان في مرحلة انتقالية شهدت العديد من التقلبات. ففي الوقت الذي كان فيه الشعب السوداني يأمل في بناء دولة ديمقراطية، سيطر الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان على مقاليد السلطة في انقلاب 2021، مما دفع البلاد إلى أزمة سياسية مستمرة. هذا الوضع الداخلي المعقد دفع السودان إلى البحث عن دعم خارجي لضمان استقراره العسكري والسياسي، وهو ما جعل الحكومة السودانية الحالية تقيم تحالفات مع قوى دولية مثل روسيا.

روسيا توسع نفوذها العسكري في إفريقيا: القاعدة البحرية في بورتسودان

من بين أبرز هذه التحركات، كان الاتفاق بين روسيا والجيش السوداني بقيادة البرهان لإنشاء قاعدة بحرية روسية في بورتسودان على البحر الأحمر. يشكل هذا التحرك تعزيزًا واضحًا لنفوذ موسكو في منطقة حساسة استراتيجيًا، حيث يعتبر البحر الأحمر ممرًا حيويًا للتجارة الدولية ويمثل نقطة تواصل هامة بين القارات. من خلال هذه القاعدة، تتمكن روسيا من تعزيز وجودها العسكري في المنطقة، مما يسمح لها بزيادة قوتها البحرية في أحد الممرات البحرية الأكثر أهمية على مستوى العالم.

البرهان وروسيا: علاقة تكتيكية أم بيع لمصالح السودان؟

الاتفاق بين البرهان وروسيا يمثل تحالفًا تكتيكيًا من وجهة نظر موسكو، حيث تستفيد روسيا من هذا الوجود العسكري لتعزيز مكانتها في القارة الإفريقية. بالنسبة للبرهان، فإن دعم روسيا يوفر له ورقة ضغط على القوى الغربية، خاصة الولايات المتحدة وبريطانيا، اللتين تبذلان جهودًا مستمرة للحد من النفوذ الروسي في المنطقة. في الوقت نفسه، يسعى البرهان إلى ضمان استمراره في السلطة وسط الأزمة السودانية، ويعتبر العلاقة مع روسيا وسيلة لتعزيز قدراته العسكرية والسياسية.

لكن هذا التحالف يثير تساؤلات حول ما إذا كان البرهان يبيع السودان لموسكو من أجل مصالحه الشخصية، حيث يذهب البعض إلى القول إن الاتفاق مع روسيا يهدد سيادة السودان ويخدم أهدافًا بعيدة عن مصلحة الشعب السوداني. فبدلاً من أن يكون هناك دعم سياسي واقتصادي حقيقي للشعب السوداني، يبدو أن البرهان يسعى للحفاظ على مصالحه الشخصية على حساب الوطن.

التنافس الدولي: روسيا ضد الولايات المتحدة وبريطانيا

في الوقت الذي تعمل فيه الولايات المتحدة وبريطانيا على تقليص النفوذ الروسي في إفريقيا، يمثل الاتفاق السوداني-الروسي خطوة تدعم انتشار موسكو في القارة. تعارض الدول الغربية هذا التوسع، حيث تحاول واشنطن ولندن تقليل نفوذ روسيا والصين في إفريقيا، وهو ما يعكس التصاعد في التوترات الجيوسياسية بين القوى الكبرى. تسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز وجودها العسكري والدبلوماسي في إفريقيا من خلال دعم الحكومات التي تعتبرها موالية للغرب، بينما تسعى بريطانيا إلى الحفاظ على مصالحها في المنطقة بعد أن خسر نفوذها التاريخي فيها.

لكن روسيا، التي تتمتع بعلاقات قوية مع عدد من الدول الإفريقية، تجد في هذا الوضع فرصة لتعزيز وجودها في القارة، سواء من خلال اتفاقيات عسكرية أو اقتصادية. روسيا ترى في إفريقيا سوقًا واعدة للتوسع العسكري والسياسي، خاصة في ظل العلاقات المتوترة مع الغرب.

التداعيات الجيوسياسية: تأثير القاعدة الروسية على الاستقرار الإقليمي

إن بناء قاعدة بحرية روسية في بورتسودان ليس مجرد تحرك عسكري عابر، بل هو خطوة استراتيجية تهدد التوازنات الإقليمية والدولية في المنطقة. مع تزايد التواجد العسكري الروسي في المنطقة، يزداد الضغط على القوى الغربية التي تحاول تقليص هذا النفوذ المتزايد. كما أن هذه الخطوة قد تؤثر على علاقات السودان مع جيرانه، بما في ذلك دول الخليج التي لها مصالح كبيرة في البحر الأحمر.

من جانب آخر، تضع هذه التحركات الإقليمية مزيدًا من الضغوط على الدول الإفريقية التي تتصارع مع تحديات داخلية وخارجية متعددة. فالتوسع العسكري الروسي في القارة قد يؤدي إلى تكثيف النزاعات بين الدول الإفريقية التي تتلقى دعمًا من قوى متباينة، وهو ما يهدد الاستقرار الإقليمي في نهاية المطاف.

البرهان بين الضغوط الداخلية والمصالح الخارجية

في ظل الأزمة الداخلية التي يمر بها السودان، يبدو أن البرهان يسعى بكل الوسائل لتأمين استمراره في السلطة، حتى لو كان ذلك على حساب مصلحة الشعب السوداني وسيادة بلاده. التحالف مع روسيا يمثل جزءًا من هذه الاستراتيجية، حيث يسعى البرهان إلى استغلال العلاقات العسكرية مع موسكو لتعزيز مكانته في الساحة السياسية السودانية. ومع ذلك، فإن هذا التحالف يثير تساؤلات حول مدى تأثر سيادة السودان وتحقيق مصالح الشعب في ظل وجود هذا النفوذ الروسي المتزايد.

من غير الواضح ما إذا كان البرهان سيتحقق من أفعاله أم أن هذا التحالف سيؤدي إلى عزلة أكبر للسودان على الساحة الدولية. في الوقت نفسه، يتعين على الدول الغربية العمل على استراتيجية أكثر فاعلية لإعادة توازن القوى في إفريقيا، لضمان استقرار القارة في مواجهة النفوذ الروسي والصيني المتزايد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى