البراميل المتفجرة في شمال كردفان.. اتهامات بأسلحة واسعة الأثر وسط تصاعد الحرب في السودان
في الوقت الذي تتسع فيه رقعة المواجهات العسكرية في السودان، تبرز اتهامات جديدة بشأن طبيعة الأسلحة المستخدمة في القتال، ولا سيما في مناطق شمال كردفان التي تحولت خلال الفترة الأخيرة إلى واحدة من أكثر جبهات الحرب نشاطاً.
ومن بين أخطر هذه الاتهامات ما يتعلق باستخدام ما يوصف بـ«البراميل المتفجرة» في هجمات جوية على مناطق مأهولة بالسكان.
وتحمل هذه الاتهامات أهمية خاصة بسبب طبيعة هذا النوع من الذخائر، الذي ارتبط في نزاعات أخرى بهجمات واسعة التأثير على مناطق مدنية، وبسبب صعوبة توجيهه بدقة مقارنة ببعض أنواع الذخائر الجوية الحديثة.
وفي السودان، تداولت مصادر محلية وحقوقية اتهامات باستخدام البراميل المتفجرة في شمال كردفان، وربطت بينها وبين سقوط ضحايا مدنيين وأضرار في الممتلكات والبنية التحتية.
لكن إثبات استخدام هذا النوع المحدد من الأسلحة يحتاج إلى تحقيق فني مستقل، لأن مجرد مشاهدة انفجار كبير أو العثور على بقايا معدنية في موقع القصف لا يكفي وحده لإثبات أن السلاح المستخدم كان «برميلاً متفجراً».
وهنا تبرز أهمية التحقق، خصوصاً في حرب تتضارب فيها روايات الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وتنتشر فيها المعلومات والصور ومقاطع الفيديو بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ما المقصود بالبراميل المتفجرة؟
البرميل المتفجر هو، بصورة عامة، حاوية كبيرة تُملأ بمواد متفجرة أو مواد أخرى مدمرة، ثم تُلقى من الجو.
وتختلف أشكال هذه الذخائر وتركيباتها، ولذلك لا يمكن التعامل مع كل جسم معدني أو كل انفجار واسع على أنه برميل متفجر.
وتكمن إحدى المشكلات الأساسية في أن هذه الذخائر، عندما تستخدم في مناطق مأهولة، يمكن أن تؤدي إلى أضرار واسعة بسبب طبيعة الانفجار وتناثر الشظايا والمواد الناتجة عنه.
وفي السياقات المدنية، تزداد المخاطر عندما يكون الهدف العسكري قريباً من المنازل أو الأسواق أو المدارس أو المرافق الطبية أو مصادر المياه.
ولهذا فإن السؤال القانوني لا يتعلق فقط باسم السلاح، وإنما بكيفية استخدامه والهدف الذي استُخدم ضده والظروف المحيطة بالهجوم.
لماذا تثير الاتهامات قلقاً كبيراً؟
تعود أهمية الاتهامات المتعلقة بالبراميل المتفجرة إلى طبيعة الحرب الجوية نفسها.
ففي بيئة حضرية أو ريفية مكتظة بالسكان، يمكن لأي سلاح واسع الأثر أن يؤدي إلى إصابة أشخاص لا علاقة لهم بالقتال.
وفي شمال كردفان، أصبحت القرى والمناطق الريفية والطرق والأسواق قريبة من مسار العمليات العسكرية.
ومع تصاعد استخدام الطائرات الحربية والطائرات المسيّرة، أصبح المدنيون معرضين لخطر الضربات من الجو إلى جانب الاشتباكات البرية.
وتشير تقارير حقوقية إلى أن سلسلة من الهجمات الجوية وهجمات الطائرات المسيّرة أدت إلى سقوط مدنيين في شمال كردفان خلال الأشهر الأخيرة.
وقالت منظمة African Centre for Justice and Peace Studies إن هجمات عدة في الولاية خلال يونيو/حزيران 2026 أسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين وأضرار في البنية التحتية.
لكن هذه التقارير لا تعني تلقائياً أن كل هذه الهجمات نفذت باستخدام البراميل المتفجرة.
وهنا يجب الحفاظ على الدقة.
أم قرفة في قلب الاتهامات
برز اسم أم قرفة في شمال كردفان ضمن سلسلة من التقارير التي تحدثت عن قصف جوي وسقوط مدنيين.
وقالت جهات سودانية إن الجيش السوداني نفذ ضربات على المنطقة، وإن القصف أدى إلى مقتل مدنيين.
وفي وقت لاحق، أعلنت القوات المسلحة السودانية والقوة المشتركة المتحالفة معها السيطرة على أم قرفة بعد معارك مع قوات الدعم السريع في يوليو/تموز 2026.
وتشير تقارير صحفية إلى أن المنطقة كانت جزءاً من معارك أوسع في شمال كردفان، شملت بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة ومناطق أخرى.
لكن السيطرة العسكرية على المنطقة لا تجيب عن السؤال المتعلق بالأسلحة المستخدمة في الضربات السابقة أو اللاحقة.
وهذا ما يجعل التحقيق الميداني ضرورياً.
هل يمكن إثبات استخدام البراميل المتفجرة؟
نعم، يمكن للمحققين المختصين محاولة تحديد نوع السلاح المستخدم من خلال مجموعة من الأدلة.
من بينها بقايا الذخيرة، وشكل الحفرة الناتجة عن الانفجار، ومسار الشظايا، وطبيعة الأضرار التي لحقت بالمباني، ومقارنة الصور ومقاطع الفيديو من زوايا مختلفة.
كما يمكن استخدام صور الأقمار الصناعية لتحديد مواقع الانفجارات وتوقيتها، خصوصاً عندما تكون المنطقة مغلقة أمام الصحفيين أو المنظمات الإنسانية.
لكن حتى هذه الأدلة تحتاج إلى تحليل متخصص.
فشكل الحفرة وحده لا يحدد بالضرورة نوع السلاح.
كما أن مقطع فيديو لانفجار لا يحدد تلقائياً نوع الذخيرة أو الطائرة التي ألقتها.
ولهذا فإن أي تقرير جاد عن «البراميل المتفجرة» يحتاج إلى أدلة متعددة ومستقلة.
الطيران الحربي في شمال كردفان
يملك الجيش السوداني سلاحاً جوياً، وقد استخدم الطائرات في عملياته ضد قوات الدعم السريع منذ بداية الحرب.
وفي المقابل، تطورت قدرات استخدام الطائرات المسيّرة لدى الأطراف المتحاربة، وأصبحت جزءاً مهماً من المعارك.
وقد شهدت شمال كردفان خلال يوليو/تموز 2026 تكثيفاً للضربات الجوية بالتزامن مع عمليات عسكرية برية.
وقالت تقارير إن الطيران الحربي نفذ غارات على مناطق في شمال وغرب كردفان، بينما قالت مصادر عسكرية إن الضربات استهدفت مواقع وتحركات لقوات الدعم السريع.
هذه التطورات تفسر لماذا أصبحت قضية الأسلحة الجوية محوراً رئيسياً في النقاش حول حماية المدنيين.
لكن من المهم عدم الخلط بين «القصف الجوي» و«استخدام البراميل المتفجرة».
فالقصف الجوي قد يتم بأنواع مختلفة من القنابل والصواريخ والذخائر، بينما البراميل المتفجرة نوع محدد يحتاج إلى إثبات.
المدنيون في منطقة الخطر
في شمال كردفان، لا يعيش المدنيون بعيداً عن العمليات العسكرية.
وتشهد مناطق حول الأبيض وبارا وحمرة الشيخ وأم قرفة وغيرها تغيرات مستمرة في خطوط السيطرة.
وقالت منظمة أطباء بلا حدود إن مدينة الأبيض تستضيف أعداداً كبيرة من النازحين، في وقت أصبحت فيه خطوط القتال قريبة من المدينة.
وأشارت المنظمة إلى أن تصاعد هجمات الطائرات المسيّرة أثر في الخدمات الأساسية والوصول إلى المياه والرعاية الصحية.
وهذا الوضع يجعل أي استخدام لأسلحة واسعة الأثر في المناطق المأهولة مسألة شديدة الخطورة.
فالمدنيون قد لا يعرفون مصدر الهجوم أو نوع السلاح الذي سيستخدم.
ولا توجد في كثير من القرى ملاجئ أو وسائل إنذار مبكر أو بنية حماية مدنية قادرة على التعامل مع القصف.
السوق والماء والطريق.. أهداف لا تحتمل الخطأ
خلال يونيو/حزيران، قالت مجموعة «محامو الطوارئ» إن ضربات بطائرات مسيّرة في مناطق من شمال كردفان أسفرت عن مقتل مدنيين، بينهم أشخاص كانوا في سوق بمنطقة أبو زعيمة.
ووفق المجموعة، قُتل 11 مدنياً في إحدى الضربات على السوق.
وفي يوليو/تموز، تحدثت المجموعة أيضاً عن ضربة استهدفت محطة مياه في قرية أم نبقة مرير، إضافة إلى هجوم آخر على مركبة مدنية.
هذه الوقائع تطرح سؤالاً مهماً: كيف يمكن حماية المرافق المدنية في ظل حرب أصبحت فيها الطائرات المسيّرة جزءاً من العمليات اليومية؟
فالسوق ومصدر المياه والطريق ليست مجرد نقاط على الخريطة.
إنها الأماكن التي يحتاج إليها السكان للبقاء.
وعندما تتعرض هذه الأماكن للخطر، فإن آثار الهجوم تتجاوز عدد الضحايا المباشرين.
ماذا يقول القانون الدولي عن القصف في المناطق المدنية؟
القانون الدولي الإنساني لا يحظر كل استخدام للقوة في المناطق المأهولة، لكنه يضع قيوداً صارمة على طريقة تنفيذ الهجمات.
فالأطراف المتحاربة ملزمة بالتمييز بين المدنيين والأهداف العسكرية.
كما يجب ألا تكون الهجمات عشوائية، ويجب اتخاذ الاحتياطات الممكنة لتقليل الضرر الواقع على المدنيين.
وفي حالة وجود هدف عسكري داخل منطقة مدنية، فإن ذلك لا يجعل كل المنطقة هدفاً عسكرياً.
وعلى الجهة المهاجمة تقييم المخاطر المتوقعة على المدنيين قبل تنفيذ الهجوم.
ومن هنا، فإن التحقيق في ضربة جوية لا ينبغي أن يبدأ بالسؤال: «ما نوع السلاح؟» فقط.
بل يجب أن يبدأ أيضاً بالسؤال: «ما الهدف؟»
إذا كان الهدف عسكرياً، فما مدى وجود المدنيين بالقرب منه؟
وهل كان بالإمكان استخدام وسيلة أكثر دقة؟
وهل كان حجم الضرر المتوقع متناسباً مع الميزة العسكرية المقصودة؟
هذه الأسئلة هي أساس تقييم مشروعية الهجوم.
الاتهامات باستخدام أسلحة محظورة
إلى جانب الحديث عن البراميل المتفجرة، ظهرت اتهامات أخرى أكثر خطورة بشأن استخدام مواد سامة أو أسلحة كيميائية في بعض الهجمات بشمال كردفان.
وقد طالبت جهات سودانية بإجراء تحقيق دولي في هذه الادعاءات.
لكن هذه الاتهامات لم تكن، وفق المعلومات المتاحة، مثبتة بشكل مستقل، ولذلك لا يمكن التعامل معها باعتبارها حقيقة مؤكدة.
والتمييز هنا ضروري للغاية.
فإثبات استخدام سلاح كيميائي أو مادة سامة يحتاج إلى فحوص مخبرية، وأخذ عينات بطريقة علمية، وتحليل متخصص، إضافة إلى أدلة ميدانية وبيئية.
أما الحديث عن أعراض صحية أو روائح أو آثار انفجار، فلا يكفي وحده لتحديد طبيعة المادة المستخدمة.
وفي زمن الحرب، يمكن للمعلومات غير الدقيقة أن تنتشر بسرعة كبيرة، ولذلك فإن نشر الاتهام على أنه حقيقة قد يساهم في تضليل الجمهور بدلاً من كشف الحقيقة.
لماذا يصعب الوصول إلى الأدلة؟
الحرب السودانية خلقت بيئة صعبة للغاية أمام التحقيقات المستقلة.
فالمناطق التي تشهد أعنف القتال تكون غالباً مغلقة أمام الصحفيين، وقد تتعرض شبكات الاتصالات للانقطاع.
كما أن السكان قد يخشون الإدلاء بشهاداتهم بسبب التهديدات الأمنية.
وقد تتعرض مواقع القصف للتغيير أو النهب أو إزالة آثار الضربة قبل وصول المحققين.
وهذا يعني أن بعض الأدلة قد تضيع خلال ساعات أو أيام.
ولهذا تعتمد المنظمات المتخصصة أحياناً على منهجية التحقيق عن بُعد، من خلال جمع الصور ومقاطع الفيديو وتحليلها ومقارنتها بالصور الفضائية وشهادات السكان.
لكن هذه المنهجية لها حدودها أيضاً.
وسائل التواصل الاجتماعي.. مصدر أم فخ؟
أصبحت منصات التواصل الاجتماعي واحدة من أهم مصادر المعلومات عن الحرب السودانية.
فالصور التي يلتقطها السكان يمكن أن تكون أول دليل على وقوع ضربة.
لكن المشكلة أن هذه المواد يمكن إعادة نشرها خارج سياقها.
وقد يُنسب فيديو قديم إلى حادثة جديدة، أو تُستخدم صورة من منطقة أخرى لإثبات رواية مختلفة.
ولهذا، فإن التحقق من المكان والتاريخ والسياق أمر أساسي.
كما أن صورة بقايا سلاح لا تكفي وحدها لإثبات الجهة التي أطلقته.
وحتى إذا أمكن تحديد نوع الذخيرة، يبقى تحديد المسؤولية مسألة منفصلة.
هذه النقطة مهمة بشكل خاص عند الحديث عن البراميل المتفجرة، لأن إثبات وجود ذخيرة معينة لا يعني تلقائياً تحديد من نفذ الهجوم.
الجيش السوداني والاتهامات
يقول الجيش السوداني إنه يخوض حرباً ضد قوات الدعم السريع، وإن ضرباته الجوية تستهدف مواقع وتحركات عسكرية تابعة لها.
ويؤكد الجيش عادة أن عملياته تهدف إلى استعادة السيطرة على المناطق وحماية الدولة ومؤسساتها.
لكن منظمات حقوقية وثقت في المقابل سقوط مدنيين في غارات وهجمات نسبت إلى القوات المسلحة السودانية في مناطق مختلفة من السودان.
وتقول هيومن رايتس ووتش إن القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع ارتكبتا انتهاكات جسيمة خلال الحرب.
وهذا يعني أن التحقيق في الاتهامات لا ينبغي أن يكون انتقائياً.
إذا ثبت أن الجيش قصف منطقة مدنية بصورة غير مشروعة، فيجب التحقيق والمحاسبة.
وإذا ثبت أن قوات الدعم السريع هاجمت المدنيين، فإن الأمر نفسه يجب أن ينطبق عليها.
المعيار واحد: حماية المدنيين.
الحرب الجوية تغير حياة السكان
عندما تصبح الطائرات جزءاً من الحرب اليومية، تتغير طريقة عيش السكان.
يبدأ الناس في تجنب التجمعات.
وتصبح الأسواق أقل ازدحاماً.
ويحاول البعض السفر في أوقات يعتقدون أنها أكثر أماناً.
وقد تتوقف المدارس أو الخدمات الصحية.
وتتأثر حركة التجارة.
وفي المدن التي تستقبل النازحين، يؤدي أي تصعيد جديد إلى زيادة الضغط على الموارد المحدودة.
وهذا ما يجعل القصف الجوي أكثر من مجرد عملية عسكرية.
إنه عامل يغير المجتمع نفسه.
فالأسر التي كانت تعتمد على الزراعة أو الرعي قد تفقد مصدر رزقها.
والأطفال قد يتركون التعليم.
والمرضى قد يتأخرون في الوصول إلى المستشفيات.
والنازحون قد يضطرون إلى النزوح مرة أخرى.
البراميل المتفجرة.. لماذا لا يكفي الاتهام؟
قد يكون من السهل إعلامياً استخدام عنوان مثل «البراميل المتفجرة تستهدف المدنيين».
لكن الصحافة المهنية تحتاج إلى ما هو أكثر من العنوان.
تحتاج إلى إثبات نوع السلاح، ومكان استخدامه، وتوقيته، والجهة المسؤولة عنه، وطبيعة الهدف، وعدد الضحايا.
إذا لم تتوفر هذه الأدلة، فإن الصياغة الأدق هي: «اتهامات باستخدام البراميل المتفجرة» أو «تقارير تتحدث عن استخدام محتمل للبراميل المتفجرة».
هذا ليس تقليلاً من خطورة الاتهام.
بل على العكس.
كلما كان الاتهام خطيراً، ازدادت الحاجة إلى الدقة في عرضه.
فالهدف من التحقيق الصحفي ليس إدانة طرف مسبقاً، وإنما الوصول إلى الحقيقة.
ماذا يحتاج التحقيق في شمال كردفان؟
هناك حاجة إلى تحقيق مستقل في عدد من الهجمات التي وقعت في شمال كردفان.
ويجب أن يشمل ذلك أم قرفة، وحمرة الشيخ، وأبو زعيمة، وأم نبقة مرير، ومناطق أخرى تحدثت التقارير عن تعرضها لهجمات جوية أو بطائرات مسيّرة.
ويحتاج المحققون إلى جمع بقايا الذخائر، وفحص مواقع الانفجارات، وتوثيق الإصابات، ومقابلة الشهود، وتحليل المواد المصورة.
كما يمكن أن تلعب صور الأقمار الصناعية دوراً مهماً في تحديد توقيت الضربات وحجم الأضرار.
والأهم أن يتم ذلك بعيداً عن نفوذ الأطراف المتحاربة.
حماية المدنيين قبل تحديد المسؤولية
حتى قبل انتهاء التحقيقات، هناك إجراءات يمكن أن تقلل الخطر على المدنيين.
من بينها تجنب استخدام الأسلحة ذات التأثير الواسع في المناطق المأهولة، وحماية المرافق الأساسية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وتسهيل عمليات الإجلاء من مناطق القتال.
كما ينبغي على الأطراف المتحاربة احترام المستشفيات ومصادر المياه والأسواق وغيرها من المنشآت المدنية.
فحماية المدنيين لا ينبغي أن تنتظر اكتمال التحقيق في كل حادثة.
إنها واجب مستمر أثناء الحرب.
شمال كردفان أمام خطر التصعيد
مع استمرار المعارك، لا توجد مؤشرات كافية على أن خطر القصف الجوي سيتراجع سريعاً.
فالجيش السوداني يحاول تعزيز مكاسبه في كردفان، بينما تسعى قوات الدعم السريع إلى الحفاظ على مواقعها وممراتها.
وقد شهدت المنطقة خلال يوليو/تموز عمليات عسكرية واسعة وتغيرات في السيطرة على عدد من المواقع.
ومع كل تحرك عسكري جديد، يزداد احتمال تعرض المناطق المحيطة للضربات.
ولهذا فإن السكان لا يواجهون فقط خطر القصف الحالي، وإنما يعيشون تحت احتمال دائم لقصف جديد.
الحقيقة أهم من الدعاية
في الحروب، يصبح المدنيون ضحايا ليس فقط للقنابل، وإنما أيضاً للمعلومات المضللة.
كل طرف يحاول تقديم روايته، وكل ضربة تتحول إلى مادة للتعبئة السياسية والإعلامية.
لكن الحقيقة لا ينبغي أن تكون ملكاً لأي طرف.
إذا كان الجيش السوداني قد استخدم البراميل المتفجرة ضد مناطق مدنية، فيجب إثبات ذلك والتحقيق فيه ومحاسبة المسؤولين.
وإذا لم تثبت هذه الاتهامات، فيجب تصحيح المعلومات المتداولة.
وإذا كانت هناك هجمات نفذتها قوات الدعم السريع وأدت إلى سقوط مدنيين، فيجب توثيقها ومحاسبة المسؤولين عنها أيضاً.
المبدأ يجب أن يكون واحداً.
المدنيون أولاً
شمال كردفان أصبحت واحدة من أبرز ساحات الحرب السودانية، لكن السكان لا يرونها كخريطة عسكرية.
إنها بيوتهم وحقولهم وأسواقهم ومصادر مياههم وذكرياتهم.
وكل ضربة جوية تهدد هذه المساحات تهدد معها قدرة الناس على الاستمرار في الحياة.
أما الحديث عن البراميل المتفجرة، فهو ليس مجرد نقاش حول نوع سلاح.
إنه نقاش حول طبيعة الحرب نفسها، وحول الحدود التي يجب ألا تتجاوزها الأطراف المتحاربة.
فالمدني الذي يعيش في قرية بعيدة عن مراكز القرار العسكري لا ينبغي أن يتحول إلى جزء من المعادلة العسكرية لمجرد وجوده بالقرب من جبهة قتال.
وفي نهاية المطاف، فإن الحسم الحقيقي لا يكون في معرفة أي طرف سيطر على قرية أو طريق، وإنما في معرفة ما إذا كان المدنيون سيستطيعون العودة إلى حياتهم من دون خوف.
وحتى يتم ذلك، تبقى كل اتهامات القصف واستهداف المدنيين واستخدام الأسلحة واسعة الأثر بحاجة إلى تحقيق مستقل، لا إلى رواية طرف واحد.
فالحقيقة في الحرب ليست مجرد عنوان.
إنها مسؤولية، وبدونها تبقى الضحايا أرقاماً، وتبقى الجرائم بلا محاسبة، وتبقى الحرب مفتوحة على مزيد من الخسائر.




