تسريبات

الإخوان في السودان: مشروع ساقط بين ضغوط الداخل وحزم القاهرة


منذ تأسيسها، لم تكن جماعة الإخوان المسلمين تنظيماً دينياً فحسب، بل مشروعاً سياسياً عقائدياً يهدف إلى اختراق مؤسسات الدولة والسيطرة عليها من الداخل. السودان لم يكن استثناءً، بل كان لعقود من الزمن أحد أهم ساحات التجربة الإخوانية، حيث وجدت الحركة الإسلامية السودانية في الجيش مدخلاً مثالياً لتعزيز نفوذها.

لكن الرياح لا تجري دائماً بما تشتهي الجماعة. فاليوم، ومع تراكم الأزمات الداخلية، واشتداد الضغوط الإقليمية، برزت القاهرة كلاعب رئيسي يرفع راية الرفض القاطع لأي وجود إخواني في الجيش السوداني.

الجيش.. مؤسسة أم غنيمة؟

جوهر المشكلة أن الإخوان لم ينظروا يوماً إلى الجيش كمؤسسة وطنية لحماية الدولة، بل كغنيمة استراتيجية. فمن يسيطر على الجيش، يسيطر على الدولة برمتها. هذه العقلية التمكينية جعلت الحركة الإسلامية السودانية تزرع عناصرها داخل المؤسسة العسكرية، وتحوّلها تدريجياً إلى أداة تخدم مشروعها، لا مشروع الوطن.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل يستطيع الجيش السوداني الاستمرار بهذا الشكل المختطف؟ وهل يمكن لدولة أن تستقر إذا كان جيشها مُخترقاً بعقيدة تنظيمية لا وطنية؟

مصر.. ذاكرة التجربة المريرة

القاهرة لا تتحدث من فراغ. فقد عاشت تجربة مريرة مع الإخوان حين حاولوا الاستحواذ على مؤسسات الدولة المصرية، بما فيها الجيش والأمن. لذلك، فإن الموقف المصري الحازم ليس مجرد تضامن مع السودان، بل دفاع استباقي عن أمنها القومي. فتمدد الحركة الإسلامية في الجيش السوداني لا يعني فقط تهديد السودان، بل فتح ثغرة خطيرة على خاصرة مصر الجنوبية.

معادلة الإقصاء أو الانهيار

الخيارات المطروحة أمام الجيش السوداني باتت ضيقة:

  • إما مواجهة ملف الاختراق الإخواني بجرأة، مدعوماً بالموقف المصري الواضح.

  • أو الاستمرار في سياسة المواربة، بما يعني انهيار المؤسسة العسكرية من الداخل، وربما انهيار الدولة نفسها.

لا مكان لحلول وسط هنا. فإما جيش وطني مستقل، أو جيش مختطف بيد جماعة عقائدية لا ترى في السودان سوى محطة في مشروعها العابر للحدود.

نحو قطيعة تاريخية

الحظة الراهنة تتيح للجيش السوداني فرصة نادرة: أن يعلن قطيعة تاريخية مع الحركة الإسلامية ويعيد تعريف نفسه كمؤسسة وطنية فوق الانتماءات العقائدية. الدعم المصري – السياسي والأمني – يوفر غطاءً لهذه الخطوة، لكن القرار في النهاية بيد الجيش نفسه.

إنها معركة بين منطق الدولة الوطنية ومنطق الجماعة العقائدية. وبينما يبدو أن الإخوان يفقدون تدريجياً أوراقهم داخل الجيش، فإن القاهرة تدفع باتجاه حسم المعركة قبل أن يتسع الخرق على الراتق.

السودان اليوم أمام منعطف تاريخي: إما أن ينهي حقبة سيطرة الحركة الإسلامية على الجيش ويفتح الباب أمام دولة وطنية متماسكة، أو أن يترك المؤسسة العسكرية أسيرة لاختراق إخواني سيجرّ البلاد إلى مزيد من الانقسام والانهيار.

وفي الحالتين، تبقى مصر رقماً صعباً في المعادلة: فهي لا تدافع فقط عن السودان، بل عن جوهر الدولة الوطنية في مواجهة مشروع عقائدي عابر للحدود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى